كتاب الحقيقة

ماذا عن جبر..؟!

سامي كاظم فرج

 
كان يتدلى بين يدي القابلة بعد ان خرج لتوه من رحم امه وما ان قمطته ووضعته في المهد حتى هدر صوت المذياع مدويا و معلنا:
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الشعب الكريم
بعد الإتكال على الله وبمؤازرة المخلصين من أبناء الشعب والقوات الوطنية المسلحة، أقدمنا على تحرير الوطن العزيز من سيطرة الطغمة الفاسدة التي نصبها الاستعمار لحكم الشعب والتلاعب بمقدراته..الخ
كان هذا هو البيان الاول لثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 والذي اعلن فيه عن ولادة الجمهورية العراقية هذه الولادة التي اقترنت بولادته.. هذا وقد ساهمت المارشات والاناشيد الوطنية والى حد ما في تهدئة الوليد الجديد الذي خرج عن كل ما هو مالوف بالنسبة لكل حديثي الولادة في كثرة العويل والصراخ..!
ومضى في رحلة العمر المقرفة هذه ففي يوم الثامن من شباط من العام 1963 و هو لم يكن قد اكمل الخامسة بعد استيقظ على اصوات رشاشات (البور سعيد )وهي تغدر (بتنينته) وحبيبته وتمثل بها باشنع الصور.. وبقي خائفا مترددا بعد ما كان يسمع ما يجري من حديث يغلفه الرعب والظلامية من المستقبل بين افراد اسرته والمصير المبهم المحفوف بالمخاطر الذي ينتظر العراق وشعبه..وبعد الحصاد الذي جناه جراء ما تعرض له والده وعمومته وبقية اقربائه ترسخ في رأسه الصغير كل حرف سمعه عن هذه الحقبة السوداء وحفظ عن ظهر قلب اسماء رموزها الذين اغرقوا العراق بانهار من الدماء..
في اليوم الثالث بعد بلوغه العاشرة من العمر تردد الى اسماعه ان تغييرا اخر قد حدث في العراق و ان هناك ثلة جديدة قد انقضت على مقاليد السلطة ولم يكن بمقدوره ان يتبين السلبي من الايجابي في هذا الحدث الجديد لان الكبار لم يستوضحوا الامر بعد..في الخامسة عشرة بدا وكانه ليس بحاجة ان يستفهم من هذا او ذاك وحين اكمل العشرين من العمر ادرك حقيقة مفادها ان هذين العقدين من عمره قد افناهما ما بين رعب وترقب وقلق وانه لم يحقق لذاته شيئا لذا قرر ان يكرس الجهد القادم لبناء شخصيته وان ذلك لن يتحقق ألا من خلال تنمية الوعي الثقافي بالمتابعة والقراءة والاختلاط بالاوساط المثقفة لاختصار الطريق وتعويض ما فات ..
لم يكن يعلم بان ما اقدم عليه سيكلفه الكثير الا بعد ادراكه ان الد اعداء التسلط والدكتاتورية هي الطبقة المثقفة الواعية ..وهكذا ونتيجة للاساليب البربرية في التعذيب التي استخدمت ضده اثناء اعتقاله فقد ذاكرته بصرف النظر عما اصاب جسده من تشوهات وعاهات ..
لم يستفق وعيه الا على اصوات الطائرات الامريكية وهي تدك بغداد وعلى قرقعة دبابات التحالف وهي تجوب شوارع كل زقاق فيها تفاءل خيرا بسقوط النظام ثم مالبث ان اصيب بصدمة عصبية بعد ان رأى ما لا يتلاءم وطموحاته واخذ يردد بين الحين والاخر كلمات غير مفهومة واستقر به الحال بعد حين في ردهة للانعاش كان الحال بالنسبة لوعيه شبيها تماما لوعيه صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958يوم خرج الى الدنيا ولكنه هذه المرة غادرها متوجها الى (الگبر)..هكذا كان جبر..!! 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان