عدنان الفضلي
من كان ومازال متابعاً للمشهد الثقافي العراقي يلاحظ ان ظاهرة (الصعاليك) تكاد تكون مختفية تماماً ، وغير موجودة على أرض الواقع كما كانت عليه في العقود التي سبقت عام 2003 وبشكل يدعو للتساؤل عن كيفية وأسباب اختفاء هذه الظاهرة والبحث عن جواب للسؤال الذي يقول أين ذهب الصعاليك ولماذا لم يخرج جيل آخر منهم ، في ظل واقع يسمح بذلك؟. وقبل هذا لا بد من قراءة بسيطة لواقع الظاهرة نفسها تسهم في طرح الموضوع.
ففي المفهوم العام وفي اللغة تبقى مفردة الصعاليك محصورة في خانة (العوز)، ومع ان الصعلكة موجودة تاريخياً في خانة (الانتفاضة على الفقر) الا انها في الوسط الادبي بقيت مرتكزة على ادباء المحافظات تحديداً، واقصد المهاجرين الى العاصمة هرباً من سلطة التهميش وتمرداً على بعض التقاليد الموجودة في المدن ذات الطابع الريفي، وحين نستذكر الاسماء المتهمة بالصعلكة سنجد انهم جميعا قدموا من المحافظات واولهم الشاعر حسين مردان الذي جاء من ديالى والشاعر كزار حنتوش القادم من الديوانية والشاعر عقيل علي القادم من الناصرية وعبد اللطيف الراشد القادم من الناصرية ايضاً والشاعر جان دمو القادم من كركوك، وكاظم غيلان القادم من مدينة العمارة ايضاً وكذلك بقية الاسماء. .
اما فلسفياً فالظاهرة حتماً لا تنتمي لفكر معين بقدر ماهي نوع من انواع العبث المغلف بالفقر والفاقه والعوز المادي، ولذلك يلجأ هؤلاء الى التسكع بحثاً عن لحظات متعة يقضونها في زاوية ما في (بار) او (دار لهو) وغيرها من المسميات التي لها علاقة بـ (الخمريات)، ولعلي اكون منصفاً حين اقول ان هذه الظاهرة منحت الادب العراقي تحديداً واجهة مختلفة جداً عن واجهات الادب العربي، حيث ان هؤلاء الصعاليك امتلكوا الجرأة الكافية لكتابة نصوص فيها من الجنون والمجون الكثير، وبالتالي وضعوا صبغة اخرى على شكل المنجز الادبي العام، فانفردوا بكتابات مازالت راسخة في ذاكرة المتلقي، وبالتالي فانها حققت جدوى ثقافية ورسمت افقاً آخر يضاف لآفاق المنجز الابداعي.
اما اسباب انحسارها الان من وجهة نظري الشخصية فتتلخص بموضوعين الاول هو انحسار موجة الهجرة من المحافظات الى العاصمة، وهذا الامر جعل الظاهرة تتوقف عند حد اللامكان واللازمان، والسبب الآخر يتعلق بتحسن الدخل لدى الاديب خصوصاً بعد ان اتجه اغلبهم الى الاعلام وصار يمتهن الصحافة بمعنى انه حصل على استقرار مهني ومردود مادي يسمح له بأن يعيش حياة طبيعية خالية من فكرة العبث والتسكع والانصهار بداخل المشهد الثقافي دون اية نزعة للانحدار والتكلف في صياغة الحياة.





