حازم لعيبي
لو حدث ان اعلاناً تلفزيونياً مثل الذي تعرضه قناة العراقية للترويج لبضاعة “آسيا سيل” عرض في بلد غير العراق لقامت الدنيا ولم تقعد ، اي و الله لو حدث هذا في بلد تحترم شركاته الخدمية العامة المواطن لما مرر مثل هذا الإعلان أبداً ، و لما عرضت شاشات الفضائيات العراقية لمثل هذا الإعلان غير المدروس تربوياً و أخلاقيا ، و لرفعت جهات مثل وزارة التربية مثلاً ، و أولياء أمور الطلبة دعاوى على الشركة المنتجة لمثل افكار اعلانية كهذه ، او على الأقل لأنتفضت منظمات المجتمع المدني و حركت قضايا مساءلة لتوقيف عرضه من على شاشات التلفزيون الرسمي كما هو معمول به في كل دول العالم ، أو على الاقل محاسبة من كتب سيناريو الإعلان!! و من نفذه و أخرجه و كذا من أجاز ظهوره على شاشة تلفزيون شبكة الإعلام العراقي “القناة العراقية الرسمية” على ما يشاع !! تساؤل غير بريء سنضع بعده ألف علامة استفهام؟؟؟
قبل مناقشة قضية الاعلان التلفزيوني مثار التساؤل ، و من تلك الجهات المسؤولة عن تمرير مثل هكذا طروحات اعلانية تروج للاهمال بشكل واضح و صريح ، علينا ان نشير الى ان الاعلان يظهر في احد المشاهد صورة الانسان المهمل متمثلة بالمعلم ، و في مشهد آخر يشارك مدير المدرسة “جريمة” الإهمال ذاتها ، و كلاهما المعلم و مدير المدرسة كما يعرف الجميع الاول المسؤول التربوي و الاكاديمي عن مجموعة من الطلبة و الثاني يعد مسؤولاً ادارياً و تربوياً أعلى في المؤسسة التعليمية بشكلها المتعارف عليه ، و يبدو ان إعلان سولف ساعة كاملة و ادفع فقط خمس دقائق يعرض الآن و من على قنوات عراقية عديدة واحدة منها “العراقية”.
و هنا سنذكر المواطن العراقي بالإعلان ” تتصل الزوجة هاتفياً بزوجها المعلم و هو داخل الصف واقفاً أمام طلابه متحدثة معه ، ولانه لا يملك خدمة “سولف” لا يستطيع ان يطيل الحوار معها أكثر من خمس دقائق . ينتقل الاعلان الى المشهد الثاني و الاستاذ أمام طلابه أيضاً لكن يبدو ان الرجل الفاضل “الذي وقفنا له يوماً ما بالتبجيل و الاحترام” قد وفّق و حصل على خدمة “سولف” و صار بإمكانه ان يطيل الحديث مع زوجته ليس همساً و لا خلسة و أمام طلابه و المدة حسب الاعلان ستكون ساعة كاملة ، لهذا ما عليه سوى ترك صفه ليكمل اللغو مع زوجته المصون تاركاً التلاميذ مفضلاً حديث الروح مع زوجته على الدرس ، ماشياً لا يسمع و لا يرد و غير مبالٍ لمديره و تساؤله؛ لِمَ تواجده خارج الصف ؟. كون الرجل مشغولاً بالاتصال و صار يمتلك خدمة سولف العظيمة التي أعطته سلطة ان يهمل الدرس و التدريس و الهرب من طلايب الطلاب المساكين لصالح خدمة سولف من آسيا سيل ، هنا سيقطع المشهد الى مشهد تالٍ نرى فيه و عبر الفضائيات المروجة لهذا الاعلان ان دور المعلم ينتقل الى دور الموجه الإداري الأول متمثلاً بشخص المدير المنشغل بالاتصال و إهمال عمله و السبب ذاته أي حصوله على خدمة سولف ساعة كاملة مؤدياً نفس حركات مثاله الأعلى المعلم المهمل لعمله .
الاعلان التلفزيوني فن كباقي الفنون المرئية له شروطه الابداعية ، لا بل قد يتعدى البعض منها الأشكال الواقعية في الطرح الى نوع من المبالغة و الفنتازيا و المفارقة النوعية كل حسب البضاعة المطروحة للترويج عنها ، و من غير المبرر ان تتجاوز الأفكار كسيناريو حدود الذوق العام و محاولة تشويه صورة العلاقة التربوية بين طرفين المعلم / الطالب مقابل الترويج لبضاعة ما معروضة على المواطن ، هذه الصورة غير معنية بالمنتوج (خدمة سولف) بشكل مباشر ربما المقاهي و وسائل الترفيه الكثيرة الأخرى لقضاء أوقات الفراغ صالحة لمثل الشكل الإعلاني هذا و ليس المدرسة “حسب ما نعتقد طبعاً” . و أخيراً ان شروط عرض الإعلان “ان كانت هنالك شروط” من على شاشات التلفزة و بالاخص الرسمية منها يجب ان تكون خاصة و لها علاقة بذائقة المجتمع و سلوكياته و لا تدعو او حتى مجرد ان تلمح لافكار غير سليمة كتلك التي روج لها اعلان “سولف من آسيا سيل سولف ساعة كاملة و ادفع فقط خمس دقائق” ، رحم الله أحمد شوقي حين قال:
قم للمعلم وفّه التبجيلا كاد المعلمُ أن يكون رسولا
و أدام الله ظل رحيمه حين قال : اذا أتسعت السماوة ضاقت الديوانية!!!





