ثقافة شعبية

قراءة نقدية في ديوان: “هنا بكى يوسف” ليوسف المحمداوي

الأبعاد الجمالية والفنية وسياق النص وآفاقه

1_ 2

شهاب أحمد الفضلي

قبل أن أدخل في التفاصيل، أريد أن أقول شيئاً بسيطاً: لست أمام نص أحلله من مسافة، بل أمام تجربة جلستُ معها طويلاً، أُعيد قراءتها بطرق مختلفة في كل مرة. وهذا بالضبط ما يجعل “هنا بكى يوسف” عملاً يستحق التوقف عنده بجدية – لأنه نادراً ما يسمح للقارئ أن يبقى على مسافة منه. سأحاول هنا أن أكتب كما أُفكر فعلاً حين أقرأ هذه القصائد: بفضول، وبانتباه، وبشيء من الدهشة التي لم تخفت بعد رغم القراءات المتكررة.

أولاً: الأبعاد الجمالية

حين أبدأ بالحديث عن الجمال في هذا الديوان، أجد نفسي أول ما أتوقف عند شيء قد يبدو بديهياً لكنه ليس كذلك: اختيار اللهجة العراقية الدارجة كوسيط شعري. هذا الاختيار، في ظاهره، يبدو محايداً – لكنه في عمقه قرار جمالي حاسم يُحدد كل ما يليه.

– اللغة بوصفها مصدر الكثافة الدلالية:

لنأخذ مثالاً واحداً يكفي لتوضيح الفكرة كلها: مطلع قصيدة “نَص”.

ثمل عابر عقله نص…

وچان وكت الليل نص…

كلمة “نص” هنا – بمعناها العامي البسيط: منقسم، أو في نصف وعيه – تُحقق ما يصعب على فقرة كاملة من الشعر الفصيح أن تُحققه. إنها استعارة كاملة مكثّفة في مقطع صوتي واحد: الإنسان منقسم، الزمن (الليل) منقسم، والوعي نفسه واقع في حالة بينية لا يُمكن وصفها بـ”حاضر” أو “غائب”. هذا النوع من الكثافة الدلالية – حيث تحمل الكلمة الواحدة طبقات معنى متراكبة دون أن تُعلن ذلك – هو ما يُميّز اللغة التي “تنمو في التربة ذاتها التي تنمو فيها التجربة”، كما تصفها الدراسة الافتتاحية للديوان بدقة.

والمفارقة الجمالية هنا أن هذه الكثافة لا تأتي عبر التراكيب المعقدة أو المفردات النادرة، بل عبر مفردة يستخدمها كل عراقي يومياً دون أن يُفكر في ثقلها الفلسفي. هذا ما يجعل الشعر الشعبي، في لحظاته الجيدة، أكثر اقتصاداً من الشعر الفصيح أحياناً – إذ يُحمّل الكلمة العادية وزناً استعارياً هائلاً دون أن يخرج بها عن سياقها الطبيعي.

الصور البلاغية: من الطبيعة الساكنة إلى الطبيعة الفاعلة

أحد أكثر الجوانب الجمالية إثارة للاهتمام في هذا الديوان هو الطريقة التي يتعامل بها المحمداوي مع صوره المستمدة من البيئة الجنوبية العراقية. هذه الصور – النهر، النخلة، الهور، الحمامة، البلابل – ليست صوراً ساكنة تُوضع في القصيدة كديكور جمالي. إنها صور فاعلة، تتحرك وتتحول وتُفاجئ.

في “نهر سكران”، النهر لا يجري – يتبختر ويخرج عن مساره:

تبختر ماي يجري… بنص نهر سكران…

روجه للصريفه… وروجه عالبستان…

هنا يحدث ما أُسميه “انقلاب الاستعارة”: النهر، الذي تقليدياً يرمز للاستمرارية والثبات والحياة، يُصبح رمزاً للفوضى والخروج عن النظام. هذا الانقلاب ليس عبثياً – هو يعكس بدقة شعورياً ما حدث للوعي الجمعي العراقي: الانحراف عن المسار الطبيعي، والتخبط بين نقطتين (الصريفة والبستان) دون توازن.

وفي “عويل”، تحدث حركة مماثلة مع النخلة:

وهزت النخله بدمعته وطاح تمر الله زبيل…

النخلة – رمز العطاء والثبات والجذور في الثقافة العراقية – تتحول هنا إلى كيان يبكي ويفقد عطاءه. وحين يتماهى بكاء النخلة مع بكاء المسيح (“وبيها مريم گاعدة تلولي اعلى عيسى…”)، تتحقق صورة بلاغية مركبة: تماهٍ بين المقدس الديني والمقدس المحلي (النخلة/الأرض)، يُشير إلى أن الألم العراقي ليس ألماً عابراً بل ألماً له طابع كوني، شبه طقسي.

– الإيقاع: نبض لا يُقاس بالمسطرة

  الإيقاع هنا أقرب إلى ما يُمكن وصفه بـ”إيقاع الانفعال” – يتسارع حين تتسارع المشاعر، يتقطّع حين ينكسر الكلام في الحلق، ويتمدد حين يُريد الشاعر أن يُبقي صورة معينة في الهواء أطول.

لاحظوا، على سبيل المثال، كيف تتقاطع الجمل الطويلة المتدفقة (“وآنو بالكاروك نايم يم  نهرنه… الچان أمس يمكن نهرنه”) مع الجمل القصيرة المتقطعة (“ليش أگلك ليش… خلگ الله طويل”). هذا التذبذب – بين التدفق والانقطاع – ليس عشوائياً، بل يعكس بنية الذاكرة نفسها: الذكريات تأتي كأنها تتدفق بسلاسة، ثم تنكسر فجأة بسؤال وجودي لا جواب له. الفوضى الموسيقية، في هذا السياق، ليست قصوراً في الصنعة، بل هي الصنعة ذاتها – تماماً كما تُشير الدراسة النقدية المرافقة للديوان.

– التناسق بين الأبيات: البناء التراكمي

ما يستحق الانتباه له في بنية القصائد الطويلة كـ”عويل” و”نَص” هو أسلوب البناء التراكمي – حيث لا تتطور القصيدة خطياً من نقطة إلى نقطة، بل تتراكم كطبقات الذاكرة نفسها. السطر الأول في “عويل” (“ردت أسد باب الحزن بس مستحيل”) يُكرر في نهاية القصيدة تقريباً بنفس الصياغة – لكنه يحمل ثقلاً مختلفاً تماماً بعد أن قرأنا كل ما بينهما. هذا التكرار الدائري ليس تكراراً شكلياً، بل أسلوب بنائي يُحاكي طبيعة الصدمة النفسية: العودة إلى نقطة البداية، لكن بوعي مُتغيّر.

ثانياً: الأبعاد الفنية:

– البناء الفني العام: من الفردي إلى الجماعي

إذا نظرنا إلى الديوان ككل، نجد بنية فنية مدروسة في توزيع الموضوعات: يبدأ بـ”نَص” – وهي قصيدة تُؤسس للحالة النفسية العامة (الانقسام، التشظي)، ثم تتوسع الدائرة في “عويل” لتشمل الذاكرة الجماعية والتاريخ، ثم تتفرع القصائد اللاحقة لتغطي مساحات متنوعة: السياسي المباشر (“مع الأسف”، “جهنم”)، الطبيعي-الرمزي (“دايتي كف يا عود”، “تشرينية هور”)، والوجداني-الإنساني (“وين أروح؟”، “حزن صاعد فرح نازل”، “ولك يا عيد مو هسه”).

هذا التوزيع ليس عشوائياً – هو يعكس حركة من الداخل إلى الخارج: يبدأ الديوان من حالة نفسية فردية (الانقسام الداخلي)، يمر بالذاكرة الجماعية، ثم يتوزع على مساحات الحياة المختلفة (السياسة، الطبيعة، الحب، العلاقات بين الأجيال) – وكأن القصيدة الأولى هي البذرة التي تتفرع منها كل القصائد اللاحقة كأغصان لشجرة واحدة.

– تطور الأفكار: من السؤال إلى الشهادة

ثمة تطور لافت في طبيعة الخطاب الشعري عبر الديوان. القصائد الأولى تطرح أسئلة معلّقة (“وين أروح؟” – سؤال لا جواب له ويعرف صاحبه أنه لا جواب). أما القصائد ذات الطابع السياسي المباشر (“مع الأسف”، “جهنم”) فتتحول من السؤال إلى الشهادة المباشرة – الشاعر هنا لا يسأل، بل يُسجّل، يُوثّق، يُدوّن لحظة بعينها. هذا التحول من السؤال إلى الشهادة يُعطي الديوان حركية داخلية: القارئ يبدأ معلّقاً في حالة من الحيرة الوجودية، ثم يجد نفسه أمام وثائق شعرية صلبة عن لحظات تاريخية محددة (انتفاضة 1991 في “مع الأسف”)، ثم يُعاد به إلى الحميمي والشخصي في القصائد الأخيرة (“ولك يا عيد مو هسه”). هذه الحركة الدائرية – من الذات إلى التاريخ وعودة إلى الذات، لكن بذاكرة محمّلة بالتاريخ هذه المرة – هي ما يُعطي الديوان تماسكه البنيوي رغم تنوع موضوعاته الظاهري.

– استخدام اللغة: العامية كأداة لا كحاجز

من الناحية الفنية، الأهم في استخدام المحمداوي للهجة العراقية هو أنه لا يستخدمها كحاجز يفصل النص عن القارئ المتعلم أو الناقد، بل كأداة دقيقة جداً لتوصيل حالات نفسية واجتماعية معقدة. حين يقول “صافي نيّه بوكت خابط… رايح يدور كرم يم باب عص….” – هذا التركيب لا يُمكن أن يُترجم إلى الفصحى دون أن يخسر طبقتين على الأقل من معناه: الطبقة الصوتية (الإيقاع الذي يُحاكي التخبط نفسه)، والطبقة الثقافية (الإشارة الضمنية إلى تجربة جماعية يعرفها كل من نشأ في هذه البيئة).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان