ثقافة شعبية

ثوب الأفعى.. جدلية الأنا والآخر وأفق الانفراج طارق العمراوي

تكشف القاصة والمؤلفة ريماز زريق حوراني، من خلال مدونتها السردية، عن رؤية إبداعية تجمع بين البعد الجمالي والوظيفة التربوية والعلاجية، إذ تقدم نصوصًا تحمل بين سطورها رسائل نفسية وإنسانية عميقة، وتكتب قصصًا علاجية للأطفال، فيما أسهمت الفنانة التشكيلية حلا عبد الباقي في إثراء هذه التجربة برسوماتها المعبرة.

وفي قصتها «ثوب الأفعى»، تعالج الكاتبة حالة نفسية دقيقة تتطلب فهمًا وحلًا ذكيًا، بعيدًا عن تعميق الإحساس بالمشكلة أو الاكتفاء بالحلول التقليدية. فحين عجزت الطبيبة عن معالجة الحالة النفسية التي تعيشها الأفعى، وجدت البطلة علاجها في أحضان الطبيعة، حيث انفتحت على جمالها وسكونها. تقول الساردة:

«زحفت فحيحة بين سهول القمح الخضراء وسهول البنفسج والأقحوان، واستمتعت كثيرًا برؤية الأزهار ويرقات الفراش حين تخرج من شرانقها. ياه! يا للروعة! كيف تخرج اليرقة من شرنقتها فراشةً بأجمل الألوان».

تعيش الأفعى حالة من الحزن والقلق بعد أن فقدت جلدها القديم، واحتفظت به في صندوقها؛ لأنه يمثل جزءًا من ذاكرتها، يستحضر علامة المثلث، ونجاتها يومًا من مخالب النسر، ورسوم الجدة بالحناء على جلدها. لقد غدا هذا الجلد رفيقًا وفيًّا، لذلك بدا التخلي عنه أمرًا بالغ الصعوبة، حتى انعكس ذلك على حالتها النفسية، فشحب وجهها وفقدت شهيتها للطعام.

وعندما قررت الذهاب إلى جدتها بعد أن عجزت الطبيبة عن علاجها، بدأت رحلة التعافي قبل الوصول إليها. ففي الطريق، تفاعلت الحيوانات مع جلدها الجديد، فقال السنجاب: «ما أجمل حلقات جلدك»، وأعجبت الضفدعة الخضراء بذيلها، وظلت تنظر إليه بإعجاب ودهشة. هذا التفاعل الإيجابي منح الأفعى ثقة بنفسها، فتحول حزنها إلى فرح، وأصبحت فخورة بجلدها الجديد، وواصلت زحفها نحو بيت الجدة وهي مبتسمة، وقد استعادت توازنها النفسي.

وتكمن إحدى أهم رسائل القصة في أن التعافي قد يأتي أحيانًا من مصادر غير متوقعة؛ من الطبيعة، أو من كلمة طيبة، أو من نظرة إعجاب صادقة، لا من العلاج التقليدي وحده. وهي رسالة تستحق التأمل من الآباء والأمهات، الذين قد يلجؤون مباشرة إلى الطبيب عند تعرض أحد أبنائهم لأزمة نفسية، بينما قد يكون الاحتواء، أو التنزه، أو تغيير الأجواء، جزءًا مهمًا من العلاج.

كما تمرر الكاتبة فكرة إنسانية جميلة، تتمثل في صعوبة التخلي عن الأشياء القديمة لما تحمله من قيمة وجدانية وذكريات شخصية، وهي تدعو الطفل، بصورة غير مباشرة، إلى الحفاظ على بعض مقتنياته الأولى، مثل دفاتره التي كتب فيها أولى محاولاته، ورسوماته، وكل ما يمثل جزءًا من تاريخه الشخصي، بوصفه عنصرًا يسهم في تشكيل هويته وذاكرته.

وتزخر القصة كذلك بمعجم بيئي غني، يعرّف الطفل بعناصر من الثروة الحيوانية، مثل التماسيح، والسنجاب، والضفدعة الخضراء، والفراش، كما يقدمه إلى عناصر من البيئة النباتية، مثل سهول القمح الخضراء، والبنفسج، والأقحوان، والأزهار، والنهر، وشجرة الجوز. وإلى جانب ذلك، تقدم معلومات مبسطة عن ظواهر طبيعية، مثل تبدل جلد الأفعى، وتحول اليرقة إلى فراشة، ومصطلحات مثل الشرنقة، فضلًا عن الإشارة إلى العلاقة بين السنجاب وشجرة الجوز.

واستطاعت الساردة أن تبث الحياة في عالمها الحيواني، فجعلت الحيوانات تتفاعل فيما بينها بصورة طبيعية ومقنعة؛ فتارةً تعبّر عن الإعجاب، كما فعل السنجاب والضفدعة، وتارةً أخرى تمارس الحذر، كما في مشهد الجسر القديم، حين قالت الساردة: «ولكنه قديم وضعيف، وقد يقع في أي لحظة»، في إشارة إلى ضرورة تجنب المخاطر، خشية السقوط فريسة للتماسيح التي تجوب النهر ذهابًا وإيابًا.

إن نص «ثوب الأفعى» ينجح في أن يزوّد الطفل بثقافة بيئية ثرية، ورسائل نفسية وتربوية عميقة، دون أن يفقد عنصر التشويق أو جمال السرد. فهو يرسخ فكرة أن الخروج من الأزمات النفسية قد يتحقق عبر التفاعل الإيجابي مع الآخر، والانفتاح على الطبيعة، واستعادة الثقة بالنفس. كما حضرت طرافة الفكرة، وسحر اللغة، وحسن البناء السردي، لتجعل من القصة نصًا جادًا يجمع بين المتعة والفائدة، ويؤكد قدرة الأدب الموجّه للطفل على غرس القيم وبناء الشخصية بأسلوب فني رفيع.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان