ثقافة شعبية

الحسين ثائراً.. الحسين شهيداً)

كربلاء بوصفها ملحمة الكلمة والحرية في مسرح عبد الرحمن الشرقاوي.. علاء أحمد الشاهين

تعد مسرحية (الحسين ثائراً.. الحسين شهيداً) من أبرز الأعمال في الأدب المسرحي العربي الحديث، ليس لأنها تستعيد واقعة الطف في كربلاء فحسب، بل لأنها تحاول قراءة هذه الحادثة التاريخية بوصفها احدى محطات الصراع الازلي بين الحق والباطل، وبين الحرية والاستبداد، وبين الكلمة والسيف.

لقد استطاع عبد الرحمن الشرقاوي أن يتجاوز حدود التأريخ التقليدي للواقعة ليجعل من الإمام الحسين عليه السلام مثالاً للمقاومة الأخلاقية في وجه السلطة الجائرة، فتحولت كربلاء في نصه الى حدث متجدد يتكرر كلما اصطدمت إرادة الحرية بقوى القهر والفساد.

ينطلق الشرقاوي من رؤية فكرية ترى أن ثورة الإمام الحسين لم تكن سعياً إلى الحكم أو منافسة سياسية، و إنما كانت دفاعاً عن جوهر الرسالة الإسلامية التي تعرضت للتشويه على أيدي الحكام، لذلك يجعل من الإمام الحسين صوت الضمير الحي الذي يرفض المساومة على المبادئ مهما كان الثمن، ويتجلى هذا المعنى في قوله: (كتب القتال على من تحملوا عبء الهداية، لولا القتال لضاع الدين أدراج الضلال)، وهي عبارة تختصر فلسفة المسرحية بأكملها، فالقتال هنا ليس غاية في ذاته، بل هو واجب أخلاقي لحماية الحقيقة عندما تصبح القيم مهددة بالاندثار، وتحتل فكرة الكلمة مكانة رئيسية في البناء الفكري للمسرحية، إذ لا يقدم الشرقاوي الإمام الحسين محارباً فحسب، بل يقدمه صاحب موقف وكلمة ومبدأ. فالثورة تبدأ من الوعي قبل أن تتحول إلى فعل، ومن هنا تأتي إحدى أشهر مقاطع المسرحية:

( أتعرف ما معنى الكلمة؟

مفتاح الجنة في كلمة

دخول النار على كلمة

وقضاء الله هو الكلمة

الكلمة لو تعرف حرمة، زاد مذخور

الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور)، في هذا المقطع يبلغ النص ذروة شاعريته الفكرية، إذ تتحول الكلمة إلى قيمة وجودية تحدد مصير الإنسان والمجتمع. فالكلمة ليست مجرد أداة للتعبير، وإنما موقف أخلاقي يترتب عليه الخلاص أو الهلاك، ومن خلال هذه الرؤية يربط الشرقاوي بين صمت الناس عن الظلم وبين انتشار الطغيان، فالكلمة الصادقة فعل مقاومة استناداً الى الحديث النبوي الشريف: (اعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، أما السكوت فهو شكل من أشكال المشاركة في الجريمة، ولهذا يركز النص على مسؤولية المجتمع تجاه الظلم، فلا يجعل المأساة نتيجة استبداد الحاكم وحده، بل نتيجة تخاذل الجماعة أيضاً، ويبرز هذا المعنى في العبارة المكثفة: (يجور الولاة فتأتي الفتن)، حيث يكشف الكاتب العلاقة المباشرة بين فساد السلطة وتمزق المجتمع، فالفتنة في تصور الشرقاوي ليست قدراً غامضاً، وإنما نتيجة طبيعية للظلم حين يصبح منهجاً للحكم، و تتعمق هذه الفكرة أكثر في المقطع الذي يستحضر فيه الامام الحسين قصة قوم ثمود:

(أيها الناس أتدرون لماذا عاقب الله ثمود قوم صالح؟

لم يكن قد صنع المنكر منهم غير واحد، غير أن الله قد عم ثموداً بالعقاب. فلماذا؟!

إنهم قد سكتوا عمن عصا الله وعموه جميعاً بالرضا ولهذا عمهم العذاب.)، هنا تتحول المسرحية من استحضار الماضي إلى محاكمة الحاضر، فالشرقاوي لا يخاطب شخصيات القرن الأول الهجري وحدها، بل يخاطب كل مجتمع يقبل الظلم أو يتواطأ معه بالصمت، و من خلال هذا الموقف يمنح النص قيمة انسانية تجعل من كربلاء درساً أخلاقياً دائماً في مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه.

 لقد نجح الشرقاوي في توظيف اللغة الشعرية توظيفاً درامياً بعيداً عن الزخرفة اللفظية، فالشعر في المسرحية ليس غاية جمالية منفصلة عن الحدث، بل وسيلة للكشف عن أعماق الشخصيات وصراعاتها الفكرية والروحية، وتمتزج اللغة الفصيحة بالإيقاع الخطابي لتمنح النص طاقة عاطفية كبيرة تجعل القارئ أو المتلقي يعيش المأساة لا بوصفها حادثة تاريخية منتهية، بل بوصفها تجربة إنسانية نابضة بالحياة.

وتبلغ المأساة ذروتها في المشهد الأخير حين يتحول دم الامام الحسين إلى سؤال وجودي يلاحق الضمير الإنساني:

(ليت هذا الدم إذا سال على هذا الدجى

ليته يصنع للعالم فجره

ما لهذا الدم لا يصنع فجراً!)، في هذه الصرخة الموجعة المدوية يختزل الشرقاوي المأساة الحسينية كلها،فدم الشهداء لا يراق من أجل الموت، بل من أجل أن يولد منه فجر جديد، إلا أن السؤال المرير الذي يطرحه النص يكشف حجم الخيبة التي تعانيها الإنسانية حين تتكرر المآسي ويستمر الظلم رغم كل التضحيات، وهكذا يتحول الامام الحسين من شخصية تاريخية إلى رمز أبدي للإنسان الذي يدفع حياته ثمناً للحقيقة.

برأيي المتواضع، فأن قيمة (الحسين ثائراً.. الحسين شهيداً) ليست في بعدها الديني او التاريخي وحده، بل في قدرتها على تحويل كربلاء إلى خطاب إنساني شامل يدافع عن الحرية والعدالة وكرامة الإنسان. لقد كتب عبد الرحمن الشرقاوي نصاً تتجاوز أصداؤه حدود الزمان والمكان وهو النص الأعمق فكراً ومدلولاً، فجعل من الامام الحسين صوتاً للكلمة الحرة، ومن شهادته إعلان دائم بأن الحق قد يهزم عسكرياً، لكنه ينتصر أخلاقياً في النهاية، لأن الدم الذي يراق دفاعاً عن الحقيقة يبقى حياً في ضمير الإنسانية مهما تعاقبت العصور.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان