رنا يوسف عجيب
في تاريخ الأفكار لحظاتٌ لا تكتفي بتقديم إجابة جديدة بل تهدم السؤال نفسه وتعيد بناءه من جذوره ومن بين تلك اللحظات ما حدث عام 1967 عندما نشر الناقد والفيلسوف الفرنسي رولان بارت مقالته الشهيرة ( موت المؤلف) كانت العبارة صادمة بما يكفي لإثارة جدلٍ واسع في الأوساط الأدبية والفكرية لا لأنها أعلنت نهاية الكاتب بل لأنها أعلنت نهاية سلطته المطلقة على نصه، قبل بارت كان النقد الأدبي ينظر إلى العمل الأدبي بوصفه مرآةً لصاحبه ولتفسير رواية أو قصيدة كان الناقد يعود إلى سيرة المؤلف وطفولته ومواقفه السياسية وعلاقاته الشخصية، وكأن النص وثيقةٌ ذاتية أكثر منه عملاً فنياً مستقلاً
وكان السؤال المحوري دائماً
ماذا أراد الكاتب أن يقول؟
غير أن بارت رأى في هذا السؤال نوعاً من الوصاية على النص فالكلمات في نظره لا تولد من فراغ فردي بل من شبكةٍ واسعة من اللغة والثقافة والتاريخ والأساطير والأفكار التي تراكمت عبر القرون، فالكاتب لا يخلق اللغة وإنما يستخدمها واللغة نفسها أوسع من نواياه وأكبر من مقاصده
ومن هنا جاءت فكرته الثورية (بمجرد أن يُكتب النص ويغادر يد صاحبه تنتهي سلطة المؤلف عليه) يصبح النص كياناً مستقلاً لا يعود ملكاً لكاتبه وحده بل يدخل في علاقة جديدة مع قرّائه حيث يقرأه كل واحد منهم من زاوية مختلفة ويستخرج منه دلالات قد لا تكون خطرت للمؤلف نفسه.
لم يصل بارت إلى هذه النتيجة فجأة بل تأثر بالتيارات البنيوية التي رأت أن المعنى يتشكل داخل الأنظمة اللغوية والثقافية أكثر مما يتشكل داخل نوايا الأفراد، كما لاحظ أن القرّاء كثيراً ما يعثرون في النصوص على معانٍ تتجاوز ما قصده كُتابها الأمر الذي جعل الاحتكام إلى نية الكاتب وحدها أمراً يصعب الدفاع عنه،
ونستطيع القول إن هذه الرؤية أحدثت تحولاً عميقاً في النقد الأدبي، فبدلاً من البحث في حياة المؤلف اتجه الاهتمام إلى بنية النص وعلاقاته الداخلية وكيفية تلقيه لدى القراء وانتقل السؤال من: (من كتب النص؟) إلى (كيف يُفهم النص؟) ومن (ماذا أراد المؤلف؟) إلى (ما المعاني التي ينتجها النص؟)
وقد مهد هذا التحول الطريق لظهور مدارس نقدية لاحقة مثل.. نظرية التلقي والتفكيكية.. اللتين منحتا القارئ دوراً لم يكن يحظى به من قبل فلم يعد القارئ متلقياً سلبياً بل أصبح شريكاً في إنتاج المعنى وأصبحت القراءة نفسها فعلاً إبداعياً يوازي الكتابة،ومع ذلك لم تسلم فكرة (موت المؤلف) من النقد فقد رأى بعض الدارسين أن بارت بالغ في إقصاء الكاتب وأن معرفة السياق التاريخي أو النفسي للمؤلف قد تكون في بعض الأحيان مفتاحاً ضرورياً لفهم أعمال معينة لكن حتى هؤلاء لم يستطيعوا إنكار الأثر العميق الذي أحدثته أطروحته في إعادة التفكير بالعلاقة بين المؤلف والنص والقارئ.
واليوم وبعد عقود من نشر تلك المقالة ما تزال أصداء عبارة بارت تتردد في النقاشات الأدبية والثقافية فكلما اختلف القرّاء حول معنى رواية أو قصيدة يعود السؤال نفسه في صورة جديدة..
لمن ينتمي النص بعد نشره؟ ألكاتبه؟ أم لقرائه؟ أم للنص ذاته؟
ولعل القيمة الحقيقية لفكرة رولان بارت لا تكمن في إعلان وفاة الكاتب بل في إعلان ميلاد قراءة أكثر حرية فالأدب لا يعيش داخل نية واحدة بل في تعدد لا نهائي من التأويلات وحين يموت المؤلف بالمعنى الرمزي الذي قصده بارت لا يموت النص بل يبدأ حياته الأكثر اتساعاً حياةً تتجدد مع كل قارئ
وتتسع مع كل قراءة ليظل العمل الأدبي حواراً مفتوحاً بين اللغة والإنسان والزمن.
والمفارقة الأجمل أن التاريخ الأدبي نفسه يؤكد هذه الفكرة فكم من مؤلف غاب عن العالم منذ عشرات بل مئات السنين وما تزال كتبه تُقرأ وتُلهم وتثير الجدل وتولد أفكاراً وقراءات جديدة لم يكن من الممكن أن يتنبأ بها،
لقد مات أصحاب الأقلام لكن نصوصهم واصلت الحياة وأثبتت أن العمر الحقيقي للأديب لا يُقاس بسنوات حياته بل بقدرة كلماته على البقاء والتجدد في عقول القراء عبر الأجيال.
وهكذا قد يموت المؤلف رمزياً أو جسدياً، لكن النص إذا كان حياً يظل يكتب نفسه من جديد مع كل قراءة..








