فنون

رحلة موفقة، سيدي الرئيس

Bon Voyage, Mr President.

من مجموعة Strange Pilgrims

غابرييل غارسيا ماركيز

ترجمة: علي سالم عن الإنجليزية

الحلقة الثالثة

(غلاف الكتاب)

قدمت لازارا القهوة، وأطفأت النور المعلق فوق المائدة لأن ضوءه القوي لم يكن يساعد في توصيل الحديث، لتغمر الغرفة بعد ذلك عتمة حميمة.

وشعرت للمرة الأولى باهتمام ما بالضيف، الذي لم يكن رغم ذكائه قادرًا على إخفاء حزنه. وزاد فضول لازارا عندما رأته ينهي قهوته ويقلب الفنجان في الصحن الصغير لكي تنزل ثفالته.

قال لهما الرئيس بأنه كان قد اختار جزيرة المارتينيك مكانًا لمنفاه بسبب صداقته للشاعر أيميه سيزار، الذي كان في ذلك الوقت قد فرغ تواً من طباعة كتابه «دفتر العودة إلى أرض الميلاد»، وكان قد ساعده على فتح صفحة جديدة في حياته.

وبما تبقى له من إرث زوجته، اشترى الرئيس بيتًا مصنوعًا من خشب نبيل في تلال فورت دو فرانس، بحجابات على النوافذ، وشرفة تطل على البحر، مليئة بزهور بدائية، كان يطيب له النوم فيها على صوت الجنادب وعلى الأنسام المحملة بعبق دبس السكر وشراب الروم الهابطين عليه من طواحين السكر.

لقد قطن هناك مع زوجته، التي كانت تكبره بأربعة عشر عامًا وأصبحت معاقة منذ ولادة طفلهما الوحيد، محصنًا نفسه ضد ضربات القدر بقراءة الآداب اللاتينية القديمة، باللاتينية، وباقتناعه بأنه قد وصل إلى آخر فصل من فصول حياته، وكان عليه أن يقاوم لعدة سنين غواية كل أنواع المغامرات التي كان يقترحها عليه أنصاره المهزومون.

قال:

“لكني لم أفتح أبدًا أي رسالة أخرى. أبدًا. واكتشفت بأن حتى أكثر الرسائل إلحاحًا لن تكون كذلك بعد أن تتركها أسبوعًا واحدًا، وبعد مرور شهرين تكون قد نسيتها تمامًا ونسيت كاتبها.”

نظر إلى لازارا في شبه الظلام عندما قامت بإشعال سيجارة، وتناولها منها بحركة شرهة من أصابعه. وبعد أن سحب منها نفسًا عميقًا، حبس الدخان في حنجرته.

جفلت لازارا، والتقطت علبة السجائر والثقاب لكي تشعل سيجارة أخرى، لكنه أعاد إليها السيجارة المشتعلة قائلًا:

“أنت تدخنين بمتعة كبيرة، أجد نفسي غير قادر على مقاومتها.”

ثم اضطر إلى نفث الدخان لأنه بدأ يسعل.

قال:

“لقد تخليت عن عادة التدخين منذ سنين، لكنها لم تتخل عني تمامًا. وبعض الأحيان كانت تتغلب عليّ. مثل الآن.”

هزّه السعال مرتين أخريين. وعاد الألم. وتفحص الرئيس ساعة جيبه الصغيرة، وتناول الحبتين المخصصتين للمساء. ثم حدق في قعر الفنجان: لم يتغير شيء، لكنه لم يرتجف هذه المرة.

قال:

“بعض من أيدوني في الماضي أصبحوا رؤساء من بعدي.”

قال هوميرو:

“ساياغو.”

قال الرئيس:

“ساياغو وآخرون. كلنا قمنا باغتصاب شرف منصب لم نكن نستحقه ولم نعرف كيف نشغله. البعض يبحث فقط عن السلطة، لكن معظم البقية يبحثون عن شيء أقل حتى من ذلك: مجرد وظيفة.”

شعرت لازارا بالغضب، وسألته:

“هل تعلم ماذا يقولون عنك؟”

وتدخل هوميرو مفزوعًا:

“إنها أكاذيب.”

قال الرئيس بهدوء سماوي:

“إنها أكاذيب وغير أكاذيب. عندما يتعلق الأمر برئيس دولة، تكون أكثر الأمور خزيًا حقيقية وزائفة في الوقت نفسه.”

كان قد عاش في المارتينيك جميع أيام غربته، وكان اتصاله الوحيد بالعالم الخارجي يتم عبر الفقرات الإخبارية القليلة التي كان يجدها في الصحيفة الرسمية.

وكان مصدر رزقه الوحيد تدريس اللغة الإسبانية واللاتينية في الليسيه الحكومية، ونشر ترجمات لأيميه سيزار بين الحين والآخر بتكليف من الشاعر نفسه.

كان قيظ آب لا يُطاق، وكان يمكث داخل الأرجوحة الشبكية حتى الظهر، ليطالع على هدير المروحة في غرفة النوم.

وحتى في أشد الأوقات قيظًا كانت زوجته تعتني بالطيور التي كانت تربيها حرة في الخارج دون أقفاص، حامية نفسها من الشمس بقبعة قش عريضة الحافة مزينة بفواكه وزهور أورغندي صناعية.

ولكن عندما كانت الحرارة تنخفض، كان يطيب لهما الجلوس في هواء الشرفة البارد؛ هو بعينيه المثبتتين على المحيط حتى يغمره الظلام، وهي في كرسيها الهزاز المصنوع من أماليد الخشب المضفورة، مرتدية قبعتها الممزقة، وخواتم ذات أحجار براقة في كل إصبع، مراقبة مرور سفن العالم.

كانت تقول:

“تلك متجهة إلى بويرتو سانتو، أو تلك لا تستطيع الحركة لأنها محملة جدًا بالموز القادم من بويرتو سانتو.”

كانت تقول ذلك لأنه لم يكن يبدو ممكنًا لها أن تكون السفن العابرة من هناك قادمة من أي بلد آخر غير بلدهما.

وكان هو يتظاهر بعدم سماعها، رغم أنها في النهاية تمكنت من النسيان بشكل أفضل منه لأنها فقدت ذاكرتها.

كانا يجلسان على هذا النحو لساعات طويلة حتى هبوط شفق الأمسيات الصاخب، حيث كانا يهرعان إلى داخل المنزل هربًا من البعوض.

وخلال واحدة من تلك الآبات العديدة، عندما كان يقرأ الصحيفة في الشرفة، جفل الرئيس مندهشًا.

قال:

“يا ويلتي! لقد متُّ في أستوريل!”

وشعرت زوجته السابحة في نعاسها بالذعر لسماعها هذه الأخبار.

كانت المقالة تتألف من ستة أسطر على الصفحة الخامسة من الصحيفة التي تُطبع في المطبعة الكائنة خلف الناصية، التي كان ينشر فيها ترجماته القليلة، والتي كان مديرها يزوره بين الحين والحين.

والآن كانت تقول بأنه قد مات في أستوريل دي لسبوا، منتجع وملجأ التفسخ الأوروبي، الذي لم تطأه قدماه من قبل، والذي كان المكان الوحيد في العالم، ربما، الذي لم يكن يحب الموت فيه.

كانت زوجته قد ماتت، في الواقع، قبل عام، تعذبها الذكرى الوحيدة المتبقية لها: وهي ذكرى طفلهما الوحيد، الذي كان قد ساهم في الإطاحة بوالده ومات رميًا بالرصاص على أيدي شركائه في الجريمة.

تنهد الرئيس، وقال:

“هكذا نحن، ولا شيء يمكن أن ينقذنا. قارة حملت بها حثالة الأرض دون لحظة واحدة من الحب: أطفال الاختطافات والاغتصابات والصفقات المريبة والخداع، اتحاد الأعداء مع الأعداء.”

واجه عينا لازارا الأفريقيتان، اللتان كانتا تغوصان فيه بلا رحمة، وحاول استمالتها بفصاحة سيد عريق:

“خلط الأجناس يعني خلط الدموع بالدم المراق. ماذا يمكن للمرء أن يتوقع من هكذا جرعة؟”

وثبتته لازارا في مكانه بصمت كصمت الموت. لكنها تمالكت نفسها قليلًا قبل منتصف الليل، وقالت له مع السلامة بقبلة رسمية.

ورفض الرئيس السماح لهوميرو بمرافقته إلى الفندق، رغم أنه لم يستطع منعه من مساعدته على ركوب التاكسي.

وعندما عاد هوميرو، كانت زوجته تغلي من الغيظ.

قالت:

“ذلك واحد من الرؤساء القلائل في العالم ممن يستحق فعلًا الإطاحة به. يا له من ابن زانية.”

ورغم جهود هوميرو في تهدئتها، فقد أمضيا ليلة رهيبة بلا نوم.

واعترفت لازارا بأنها لم تشاهد في حياتها رجلًا أكثر وسامة، ولا أكثر قدرة على الغواية، ولا أكثر فحولة منه.

قالت:

“كما هو الآن، عجوزًا ومهدّمًا، لابد أن يكون نمرًا في الفراش.”

لكنها فكرت بأنه كان قد بدد هذه المواهب الإلهية بالتظاهر. لقد عجزت عن تحمل تبجحه عندما قال بأنه كان أسوأ رئيس عرفته البلاد، وكرهت تظاهره بالزهد، في الوقت الذي كانت فيه مقتنعة تمام الاقتناع بأنه كان يملك نصف مزارع السكر في المارتينيك، ونفاقه عندما قال بأنه لا يطيق السلطة ويحتقرها، رغم أنه كان بكل وضوح مستعدًا للتضحية بكل شيء من أجل العودة إلى الرئاسة والبقاء فيها مدة طويلة تكفي لجعل أعدائه يعضون التراب.

واستنتجت قائلة:

“كل ذلك من أجل أن يجعلنا نعبد قدميه.”

سأل هوميرو:

“أي فائدة سيجني من ذلك؟”

قالت:

“لا شيء على الإطلاق. لكن حقيقة أن تكون مغريًا تعني أنك تعاني من إدمان لا علاج له.”

كان غضبها عارمًا لدرجة أن هوميرو لم يكن قادرًا على البقاء معها في السرير، وقضى بقية الليل ملتفًا ببطانية على الأريكة في غرفة المعيشة.

نهضت لازارا أيضًا عند منتصف الليل، عارية من الرأس إلى أخمص القدم، كما هي عادتها عندما تنام أو تكون في البيت، وتحدثت مع نفسها في حوار ذاتي حول موضوع واحد فقط. وبضربة واحدة مسحت من ذاكرتها الإنسانية جميع آثار العشاء الكريهة.

وعندما انبلج الصبح أعادت ما كانت قد استعارته، وبدلت الستائر الجديدة بالقديمة، وأعادت الأثاث إلى مكانه الأصلي، حتى عاد البيت فقيرًا ومحتشمًا كما كان عليه في الليلة السابقة.

ثم مزقت قصاصات الصحف وصور وأعلام ورايات الحملة الانتخابية البغيضة، ورمت كل شيء في الزبالة مصحوبًا بصيحة أخيرة:

“بإمكانك الذهاب إلى الجحيم!”

بعد مرور أسبوع على الغداء، وجد هوميرو الرئيس في انتظاره عند خروجه من المستشفى، وطلب منه مرافقته إلى فندقه.

وصعدا ثلاثة أدوار من السلالم المائلة إلى غرفة في السطوح لها كوة وحيدة تطل على سماء رمادية؛ وكان فيها حبل نُشرت عليه ثياب الرئيس لتجف، وفيها أيضًا سرير مزدوج احتل نصف فراغ الحجرة، وكرسي من خشب قاس، ومغسلة وشطّافة متحركة، وخزانة عتيقة ذات مرآة مغبشة.

لاحظ الرئيس رد فعل هوميرو، وقال وكأنه يعتذر:

“هذا هو الجحر الذي سكنت فيه عندما كنت طالبًا. لقد قمت بحجزه من فورت-دو-فرانس.”

ومن حقيبة مخملية أخرج الرئيس بقايا ثروته وعرضها على السرير.

وكانت تتألف من عدة معاضد ذهبية مزينة بأنواع مختلفة من الأحجار الكريمة، وعقد من اللؤلؤ من ثلاث جدائل، وعقدين آخرين من الذهب والأحجار الكريمة؛ وزوج من الأقراط الذهبية والزمردية، وزوج آخر من الذهب واللؤلؤ، وثالث من الذهب والياقوت؛ ومذخران ومدلاة؛ وإحدى عشرة خاتمًا مزينة بجميع أنواع الأحجار الكريمة، وتاج من الماس يليق بملكة.

وأخرج من إحدى العلب ثلاثة أزواج من الأزرار الفضية التي تستخدم لربط الأكمام، وزوجين مثلهما من الذهب، وكانت كلها منسجمة مع طقم من دبابيس ربطات العنق، وساعة جيب مطلية بالذهب.

ثم أخرج نياشينه الستة من كرتونة للأحذية؛ وكان اثنان منها من الذهب، وواحد من الفضة، والبقية بلا قيمة.

قال:

“هذا كل ما تبقى لي في هذه الدنيا.”

لم يكن أمامه خيار آخر غير أن يعرضها جميعًا للبيع لتغطية تكاليف علاجه الطبي، وطلب من هوميرو أن يتفضل بالقيام بذلك، على أن يتخذ أقصى ما يستطيع من الحيطة والكتمان.

لكن هوميرو شعر بأنه لم يكن قادرًا على القيام بتلك المهمة دون الحصول على الوصولات الأصلية.

وأوضح له الرئيس بأن المجوهرات كانت لزوجته، وقد ورثتها من جدتها التي كانت قد عاشت في العهود الاستعمارية وكانت تملك مجموعة من الأسهم في مناجم الذهب الكولومبية.

أما الساعة وأزرار ردن القميص ودبابيس أربطة العنق فقد كانت له. والنياشين، بالطبع، لم يكن يملكها أحد قبله.

قال:

“لا أعتقد أن أحدًا يملك وصولات لمثل هذه الأشياء.”

لكن هوميرو كان مصرًا.

فكر الرئيس مليًا وقال:

“في هذه الحالة لا يسعني إلا أن أتولى أمرها بنفسي.”

وبدأ بجمع الحلي والمجوهرات بهدوء مدروس وقال:

“أتوسل إليك بأن تسامحني، يا عزيزي هوميرو، لكن لا يوجد ثمة فقر أسوأ من فقر رئيس معدم، لأن حتى مجرد البقاء على قيد الحياة يبدو جديرًا بالاحتقار بالنسبة له.”

وفي تلك اللحظة تحركت عاطفة هوميرو، فاستسلم له ورقَّ قلبه.

تلك الليلة عادت لازارا متأخرة إلى البيت، وشاهدت المجوهرات من الباب تلمع على الطاولة تحت النور الزئبقي، وبدا عليها وكأنها شاهدت عقربًا في سريرها.

قالت بفزع:

“لا تكن غبيًا، يا طفلي، لماذا توجد تلك الأشياء هنا؟”

وأزعجها توضيح هوميرو لوجود الحلي في شقتها أكثر من الحلي نفسها، فجلست لتفحص القطع، واحدة واحدة، بحرص صائغ، وفي لحظة ما تنهدت وقالت:

“لابد إنها تساوي ثروة.”

وفي النهاية جلست تنظر إلى هوميرو بعد أن عجزت عن إيجاد مخرج لها من هذه الورطة.

قالت:

“اللعنة، كيف يتسنى لنا أن نعرف بأن ما يقوله ذلك الرجل صحيح؟”

قال هوميرو:

“ولماذا لا يكون؟ لقد شاهدت بعيني أنه يقوم بغسل ثيابه بنفسه ويعلقها على حبل داخل غرفته، مثلما نفعل نحن تمامًا.”

قالت لازارا:

“ذلك لأنه إنسان رخيص.”

قال هوميرو:

“أو فقير.”

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان