فنون

تعانق دجلة منذ 174 عاماً وترعى مليون نخلة

الصويرة أم البساتين وحاضنة ذكريات الزعيم

واسط: يوسف المحمداوي

تصوير: أحمد جبارة

حديقة الله، عروس دجلة الخضراء، مدينة المليون نخلة، أم البساتين، سلة بغداد الغذائية، حاضنة طفولة الزعيم، تتعدد الأسماء والحسن واحد، إنها مدينة الصويرة التي تعد اليوم قضاءً تابعاً لمحافظة واسط وتقع في الشمال الغربي من مدينة الكوت التي تبعد عنها بمسافة (135) كم، بينما تبعد عن بغداد بحدود (65) كم، لذلك تجد تسويق منتجاتها الغذائية يتجه صوب العاصمة بغداد لقرب المسافة بينهما. ما أن تدخل تلك المدينة التي تزيّن الضفة اليمنى لنهر دجلة الخالد يتغير عند المسافر لها كمستكشف كل شيء، الهواء النقي الذي تصنعه تلك الطبيعة الخضراء الساحرة، بساتين النخيل بأجود أنواع التمور، والحمضيات بمسميات لم تعرفها سابقاً، فكل شبر فيها أخضر باستثناء الشوارع والجسور، والدوائر الحكومية والدور السكنية تسوّرها أسيجة خضراء من الشجر والياس، حتى طبيعتك تتغير عندما ترى إحدى جنات الربيع، وكما يقول الشاعر محمود درويش: “جمال الطبيعة يهذّب الطبائع، ما عدا طبائع من لم يكن جزءاً منها. الكرمل سلام، والبندقية نشاز”.

من قرية إلى قضاء

الموظف المتقاعد علي علوان الزبيدي والمشرف العام حالياً على إصدار مجلة الأفق، وهي المجلة الوحيدة التي تصدر عن قضاء الصويرة وتعنى بالآداب والثقافة والفنون وممولة مادياً بشكل كامل من قبل محدثنا، الذي غاص بنا في عمق تاريخ هذه المدينة قائلاً: إن الصويرة كانت قرية صغيرة قرب نهر دجلة وتقع جنوب موقعها الحالي بكيلومترين، وأغلب سكنتها من عشائر الزبيد وبعض العشائر المتحالفة معها، وجاءت شهرتها من خلال السفن العثمانية التي كانت محملة بأنواع البضائع القادمة من البصرة صوب بغداد، فكانت مرسى لتلك السفن وكان أهل القرية يتبادلون مع العثمانيين البضائع، ومن خلال ذلك التعامل توطدت العلاقة بين الطرفين، مما دفع العثمانيين للتفكير بجعل هذه القرية مدينة بحسب قول الزبيدي، الذي أكد أن العثمانيين لم يتخذوها مدينة حباً بأهل المدينة وإنما إيماناً منهم بأنها ستكون مركزاً للجندرمة ومنطقة مهمة لاستحصال الموارد المالية من خلال جباية الضرائب (الكودا) وإرسالها إلى إسطنبول، لذلك وبقرار من العثمانيين اتخذت الصويرة مدينة في العام 1852م وتم الاعتراف بها رسمياً كقضاء في العام 1883م، ونشر ذلك في (السالنامة)، وهي منشور الكتب والوثائق الرسمية العثمانية السنوية التي تصدر من الآستانة إلى بغداد في تلك الفترة الزمنية، كما بين الزبيدي.

فيضان دجلة والصويرة الحديثة

الزبيدي كما أوضح لنا أن الصويرة في تلك الفترة بقيت كنقطة إدارية، فيها بناية للقائم مقام ومركز للشرطة وموقع (للملة)، وفيها ما يقارب من المئة دار سكنية و(20) دكاناً، وبقيت المدينة لما يقارب من(41) عاماً على هذا الوضع، وعند فيضان دجلة في العام 1897 غرقت المدينة وهدمت جميع بيوت الأهالي، مما اضطر مواطنيها إلى مغادرتها واتخاذ موقع مرتفع يبعدهم عن شبح الفيضانات، فكانت الصويرة الحالية التي تبعد عن موقعها القديم بكيلومترين، ثم انتقلت إليها العوائل الوافدة إلى المدينة التي تعمل بالحرف والتجارة والتي شكلت قضاء الصويرة، وكانت قادمة على الأغلب من الحلة والفرات الأوسط وبغداد، أما سكنتها الأصليون فانتشروا على أراضيهم المحيطة بالمدينة وأغلبهم من عشيرتي الكطيمات والدويجات. وفي ذلك الوقت كانت وسائط النقل شبه معدومة، ولبعد المسافة عن مدينة الكوت كانت علاقة أهالي الصويرة وطيدة بأهالي الحلة وبغداد لقربهما من المدينة كما يرى الزبيدي، فمنذ العام 1897 تأسست النواة الأولى لمدينة الصويرة الحديثة حيث قامت السلطات آنذاك ببناء سرايا الحكومة التي تجمعت فيها دوائر الدولة للقيام بتقديم الخدمات للمواطنين.

مليون نخلة صويريَّة

الزبيدي الذي يعد أحد الموسوعات الأرشيفية للصويرة يعكف منذ عامين على تأليف كتاب شامل عن مدينته مكون من (400) صفحة، بيّن لنا أن العوائل الوافدة قامت ببناء بيوتها السكنية حول المركز الإداري، وكانت التسمية الأولى لذلك الحي (العجرش) ومن ثم (السراي) وبعدها سمي (الحسينية)، وفي بعض الأحيان تسمى بأحياء السوق القديم. ويستطرد محدثنا قائلاً: كانت العزيزية والزبيدية والشحيمية في السابق من النواحي المهمة التابعة لقضاء الصويرة، أما اليوم ونتيجة التطور والتوسع العمراني والسكاني فلم يتبق سوى ناحية الشحيمية تابعة للمدينة، مضيفاً أن الصويرة تعد سلة بغداد الغذائية حيث تحتوي على بساتين تضم مليون نخلة تنتج (100) ألف طن من أرقى أنواع التمور في العالم، فضلاً عن إنتاجها الغزير لأنواع مختلفة من الحمضيات، وتشكل مزارع كصيبة والشحيمية وبقية المناطق مساحات مهمة لإنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالحنطة والشعير والذرة.

صومعة الخيام

من الشخصيات البارزة في تاريخ العراق التي أنجبتهم المدينة كما يقول محدثنا، الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، ووزير الزراعة عبد الكريم فرحان في عام 1967، والشاعر خيري الهنداوي الذي كان متصرفاً للكوت في العهد الملكي، وكان له منتدى ثقافي داخل بيته الواسع في المدينة اسمه “صومعة الخيام”، وكان يتردد على الصومعة كبار شعراء العراق كالجواهري والرصافي وملا عبود الكرخي وغيرهم من رموز العراق.

وعن فكرة تأسيس مجلة الأفق يقول الزبيدي: في ستينيات القرن الماضي جاء إلى مدينتنا الدكتور هادي نهر كمدرس للغة العربية، وأصدر في العام 1967 أول مجلة اسمها “صوت الصويرة”، فبقيت تلك المجلة عالقة في ذهني واحتفظ بالنسخة الأولى منها، وبعد التخرج والعمل الوظيفي اقترحت على بعض الأصدقاء من مثقفي وأدباء المدينة إصدار مجلة تعنى بالأدب والثقافة والفنون، وكان أول المشجعين لتلك الفكرة الصحفي عباس خلف القره غولي الذي يترأس تحريرها الآن، وهي مجلة الأفق التي استقطبت أسماء مهمة من الرموز الثقافية عربياً وعراقياً، وهناك مهرجان سنوي تكريمي لكتّابها، وقد زارتنا العديد من الأسماء الإعلامية والأدبية المهمة كالإعلامي كاظم المقدادي والأديب شوقي كريم حسن وغيرها من الأسماء، والعمل متواصل في المجلة خدمة لأبناء مدينتنا الصويرة.

مكتبة الصويرة العامة

فضلاً عن دار الضيافة وثانوية الزعيم للبنات، هناك معلم آخر بناه الزعيم عبد الكريم قاسم وهو مكتبة الصويرة العامة التي تزامن افتتاحها مع بقية المعالم في العام 1962. استقبلنا المدير الفني للمكتبة المهندس علي يوسف عند باب المكتبة مرحباً وأعطانا فكرة عن رواد المكتبة وعملها وتعاملها مع القراء، لا سيما الطلبة والطالبات الذين يزورون المكتبة لغرض تعضيد بحوثهم الدراسية من المصادر الموجودة، مضيفاً أن زيارات السفرات المدرسية للمكتبة مستمرة طيلة العام الدراسي.

بعد وصول معاون مدير المكتبة السيد ماجد سلمان أعطانا صورة واضحة عن المكتبة التي تقع وسط أشجار ومساحات من أحزمة الياس والورود، مبيناً أن أغلب رواد المكتبة هم الطلبة من أصحاب البحوث الدراسية، ولا يمكن المقارنة بين أعدادهم في السابق والفترة الحالية بعد دخول الإنترنت بحسب قوله، مضيفاً أن المكتبة تحتوي على عشرة آلاف وخمسمائة كتاب بمختلف الروافد الإبداعية، وهناك إقبال على استعارة الكتب عبر المبادلة بهوية المستعير الشخصية كما يبين سلمان، وأغلب الكتب هي من المصادر القديمة المهمة بحسب قوله. بالإضافة إلى قاعات الدراسة يوجد في الباحة الخارجية للمكتبة مسرح صيفي وبرج للساعة تم تدميرهما بعد التغيير، إضافة إلى إغلاق النفق الرابط بين إعدادية الزعيم للبنات والمكتبة العامة بحسب قوله.

لماذا سميت بالصويرة؟

يقول الصحفي عباس خلف القره غولي، بكالوريوس تربية رياضية ورئيس تحرير مجلة الأفق الثقافية، إن الصيرة هو الاسم الأول للمدينة، والصيرة هو السياج المكون من القصب وجذوع الأشجار الذي يحيط بالبيوتات القديمة، والذي كان يعكف أهالي المدينة آنذاك على إحاطة بيوتهم بتلك الصيرات لحماية ممتلكاتهم وحيواناتهم، وللتفريق في المراسلات البريدية بين مدينتي البصرة والصيرة سميت المدينة بالصويرة بحسب قوله، مؤكداً أن المدينة في بداية تأسيسها كانت تابعة للعاصمة بغداد، لكن في العهد الملكي وبالتحديد في العام 1937 أصبحت تابعة إلى محافظة واسط.

ويستذكر القره غولي الزعيم الراحل بقوله: إن الزعيم عبد الكريم جاسم  محمد بكر الزبيدي( قام بتغيير اسم والده من جاسم إلى قاسم عام 1930 لكون الاسم الاول غير موجود باللغة العربية التي يعشقها )الذي ولد بالمهدية التابعة لمحلة الفضل في بغداد عام 1914، بعدها انتقلت عائلته إلى قضاء الصويرة عام1920، حيث عمل والده في الزراعة وتجارة الحبوب، وكان طالباً في مدرسة الصويرة الابتدائية للبنين التي تأسست عام 1918م وكان أول مدير لها غلام محمد هندي الجنسية، ومديرها الحالي لؤي محسن حسين، وبعد وصول الزعيم الصف الخامس الابتدائي انتقلت عائلته من جديد إلى بغداد، وسجل القيد الدراسي الموجود في المدرسة برهان على ذلك كما يقول القره غولي.

بناء ثانوية البنات

بيّن القره غولي أن الزعيم وأثناء توليه الحكم تبرع بالأرض التي ورثها من والده، التي مساحتها أربعة دوانم، لبناء مدرسة ثانوية للبنات التي تفتقد لوجودها المدينة، ملحقة بمكتبة عامة، وتتصل المدرسة بالمكتبة بنفق تحت الشارع بطول (16) متراً لكي يتسنى للبنات استعارة الكتب دون الحاجة لعبور الشارع، علماً أن المدينة اليوم تحتوي على (120) مدرسة لمختلف المراحل بحسب قول القره غولي. ونحن نغادر أم البساتين قلت مع نفسي لعل الجواهري الخالد حين زار صومعة الخيام في المدينة فاستذكر في غربته ذلك النعيم الغافي على ضفاف دجلة العظيم حين قال:

حييت سفحك عن بعدٍ فحييني …….. يا دجلة الخير يا أم البساتين

حييت سفحك ظمآناً ألوذ به ……… لوذ الحمائم بين الماء والطين.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان