الاخيرة

تاريخ القبح: من سلطة المؤسسات إلى حكم السوق والخوارزمياتأسامة عبد الكريم

لا يتناول أومبرتو إيكو «تاريخ القبح» بوصفه نقيضاً بسيطاً للجمال، بل بوصفه تاريخاً للجهات التي امتلكت حق تصنيف البشر والأجساد والصور. فالقبح ليس صفة ثابتة في الأشياء، وإنما حكم ثقافي يحدد ما ينبغي قبوله وما يجب استبعاده، ومن يستحق الظهور ومن يُدفع إلى الهامش. «الجمال محدود، أما القبح فلا نهائي كالسماء»؛ تختصر هذه العبارة فكرة أساسية في مشروع إيكو: إذا كان الجمال يرتبط غالباً بالانسجام والتناسب، فإن القبح يتشكل من كل ما يهدد النظام السائد أو يخرج عن حدوده. صدر الكتاب عام 2007 امتداداً لـ«تاريخ الجمال»، لكنه لا يكتفي بعرض الجانب المظلم من الجمال، بل يتتبع تاريخ التصنيفات التي صنعتها الحضارات حول الوحوش والشياطين والخطاة والجثث والتشوه، والجنون، والتحلل، والموت. يستعين إيكو بالفن والأدب والأساطير والنحت والسينما ليبين أن القبح لا يخضع لمعيار ثابت، بل يتغير بتغير المؤسسات التي تملك سلطة تعريفه. فالأنف الجميل يمكن وصفه بالتناسب والانسجام، أما الأنف القبيح فيتحدد عبر سلسلة من المقارنات والأحكام التي ترسم حدود الطبيعي والمقبول. لهذا يرتبط القبح عند إيكو بفكرة الحدود. فالوحش يثير الخوف لأنه يقع بين الفئات: نصف إنسان ونصف حيوان، حي وميت، مقدس ومدنس. إنه لا يخيف بسبب مظهره وحده، بل لأنه يربك النظام الذي نحتاج إليه لفهم العالم. وقد تولت المؤسسات التقليدية، مثل الدين والفن والأعراف الاجتماعية، تحويل هذا الاضطراب إلى صور وقصص وأحكام. صار الجسد المشوه علامة على الخطيئة، والوجه البشع قريناً للشر، وغدا الجحيم والطاعون والموت موضوعات تجعل الرعب قابلاً للتمثيل والتأمل.

هنا يظهر القبح بوصفه أكثر من حكم جمالي؛ إنه حكم أخلاقي واجتماعي أيضاً. فالتاريخ حافل بصور تربط ملامح الجسد بالفساد، وتضع الجمال في جهة الفضيلة والقبح في جهة الشر. لم تكن الكنيسة أو السلطة السياسية أو الأعراف تكتفي بوصف الأجساد، بل كانت تمنح هذا الوصف معنى يحدد مكانة صاحبه. وهكذا تحولت الشيخوخة والتشوه والمرض والاختلاف الجسدي إلى علامات على النقص، لا إلى مجرد خصائص بشرية.

من المؤسسات التقليدية إلى السوق

تغيرت اللغة، لكن آلية التصنيف لم تختفِ. الذي تغير هو الجهة التي تمارسها. ففي الماضي كانت المؤسسات التقليدية تمنح القبح معناه وتفرضه عبر العقيدة والصورة الفنية والعرف الاجتماعي. أما في العصر الحديث، فقد انتقلت هذه السلطة تدريجياً إلى السوق. لم يعد القبح مجرد حكم يصدر عن رجل الدين أو الفنان أو الجماعة المحلية، بل صار مشكلة قابلة للبيع والحل عبر المنتجات والخدمات.

لا تبيع الرأسمالية المعاصرة الجمال وحده، بل تبيع القلق من فقدانه. مستحضرات التجميل والطب التجميلي والحمية والملابس وبرامج تحسين الصورة تقنع الفرد بأن مظهره الطبيعي غير مكتمل، وأن عليه أن يظل في حالة إصلاح دائم. كل معيار جديد للجمال ينتج قائمة جديدة بما ينبغي إخفاؤه أو تعديله أو تأجيله، فيتسع السوق بقدر ما تتسع قائمة العيوب.

تقدم لوحة كوينتين ماتسيس «الدوقة القبيحة» نموذجاً لافتاً لكيفية تحوّل الملامح الجسدية إلى حكم جمالي واجتماعي. فاللوحة، التي يرجح تأريخها إلى نحو عام 1513، تصور امرأة مسنة بملامح مشوهة ومبالغ فيها، وقد نُسبت في فترات سابقة، على نحو غير دقيق، إلى ليوناردو دافنشي، ربما بسبب تقاطعها مع اهتمامه بالرؤوس الغريبة والكاريكاتير. كما ارتبطت الشخصية في بعض القراءات بمارغريت، كونتيسة تيرول، التي تعرضت لتوصيفات مهينة في كتابات خصومها، فتحول وجهها المتخيل إلى صورة تحمل أثراً من الصراع الاجتماعي والسياسي.

في المقابل، كان دافنشي يتعامل مع الوجه المختلف بوصفه مادة للبحث التشكيلي، لا حكماً على صاحبه. فحين يغادر المشغل إلى فضاءات المدينة، تلتقط عينه الأنف المبالغ في طوله، والفم الملتوي، والجبهة العريضة والعينين الغائرتين، باعتبارها عناصر تمنح الوجه كثافة تعبيرية تتجاوز مجرد التشابه. وهنا يتحول القبح من صفة تُلصق بالإنسان إلى أداة فنية تكشف تنوع الجسد وقدرته على إنتاج المعنى.

في كاريكاتيراته، لا يظهر القبح بوصفه نقصاً جمالياً، وإنما كقوة تشكيلية تكشف التوترات الداخلية للشخصية وتمنح الملامح حضوراً شبه مسرحي. هنا يصبح الرسم عملية تفكيك للوجه وإعادة بنائه، بحيث تتحول المبالغة والتشويه إلى أدوات تكشف ما تخفيه الصورة المثالية. وتكشف هذه التجربة أن دافنشي لم يفصل بين الجمال والقبح، وإنما نظر إليهما باعتبارهما مستويين متداخلين في فهم الجسد الإنساني وتمثيله. ومن هذه الزاوية، تبدو رؤوسه الغريبة امتداداً لبحثه التشكيلي في الحركة والانفعال والهوية، لا مجرد اسكتشات ساخرة على هامش أعماله الكبرى. كما يفتح هذا المنظور الطريق أمام قراءة اجتماعية للصورة، حيث يمكن للملامح أن تحمل أحكاماً ثقافية تجعل القبح جزءاً من هوية الشخص وتاريخه. أما «نادي القبيحين» في إيطاليا، فيقلب المعادلة، محولاً التصنيف الجمالي إلى احتفال ساخر يكشف سلطة المظهر ويعيد توجيهها ضد نفسها.

الخوارزمية بوصفها مؤسسة جديدة

تغدو قراءة إيكو أكثر إلحاحاً في عصر الصورة الرقمية، لأن سلطة التصنيف انتقلت من المؤسسات المرئية إلى أنظمة تبدو محايدة. فالمنصات الرقمية لا تقول صراحة إن وجهاً أجمل من آخر، لكنها ترتب الوجوه، وتزيد ظهور بعضها، وتدفع بعضها الآخر إلى الهامش. تطبيقات المواعدة ومجتمعات تقييم المظهر تجعل الحكم على الآخر أسرع وأبرد، بينما تمنحه لغة الأرقام والخوارزميات مظهراً من الموضوعية.

لم تعد الخوارزمية تكتفي بتسجيل الذوق؛ إنها تشارك في صناعته. فهي تتعلم من النقرات والإعجابات والمشاهدات، ثم تعيد تقديم الصور الأكثر توافقاً مع ما تعتبره جذاباً أو قابلاً للتداول. وبذلك يتحول معيار الجمال إلى حلقة مغلقة: ما يلقى قبولاً يظهر أكثر، وما يظهر أكثر يبدو أكثر طبيعية، وما لا يطابق النموذج يختفي تدريجياً. القبح هنا ليس قراراً معلناً، بل نتيجة تفاوت في فرص الظهور.

وتزداد المفارقة وضوحاً مع الفلاتر وبرامج تحرير الصور والذكاء الاصطناعي. فالصورة لم تعد تمثل الوجه، بل تقترح النسخة التي ينبغي أن يكون عليها. صار الفرد يقارن ملامحه بصورة معدلة قبل أن يقارنها بملامح الآخرين، وأصبح الجسد مشروعاً رقمياً قابلاً للتحرير المستمر. لم يعد المطلوب أن نكون جميلين فحسب، بل أن ننتج صورة قابلة للقبول داخل نظام بصري تحكمه المنصة والسوق معاً.

ومن مفارقات هذا العصر أنه يخفي القبح ويستهلكه في الوقت نفسه. فالحروب والكوارث والدمار والجثث ومشاهد العنف تصل إلى الهواتف لحظة وقوعها، وتتجاور على الشاشة صورة الوجه المصقول وصورة المدينة المدمرة. نستبعد القبح من المجال الشخصي، ثم نعيد إنتاجه خبراً ومشهداً وترفيهاً. الفرق أن القبح لم يعد يُعرض فقط بوصفه علامة على الخطيئة أو الخروج عن النظام، بل بوصفه محتوى يجذب الانتباه ويولد الأرباح.

 من يملك حق تعريف القبح؟

تكمن أهمية «تاريخ القبح» في أنه يسمح بقراءة هذا التحول التاريخي: من سلطة المؤسسات التي كانت تفرض التصنيف من أعلى، إلى سلطة السوق التي تحول العيب إلى حاجة استهلاكية، ثم إلى سلطة الخوارزميات التي تمارس التصنيف عبر الترتيب والإخفاء والتوصية. لم تختفِ المؤسسات القديمة تماماً، لكنها فقدت احتكارها. صار الحكم موزعاً بين الإعلان والمنصة والمستخدم والبيانات، وأصبح من الصعب تحديد الجهة التي قررت أن مظهراً ما غير مرغوب فيه. لهذا لا يكفي أن نسأل: ما الجميل وما القبيح؟ ينبغي أن نسأل أيضاً: من يملك حق تعريفهما؟ وبأي أدوات؟ ولأي مصلحة؟ فالقبح يكشف حدود الجماعة، لكنه يكشف كذلك البنية التي تنتج هذه الحدود وتعيد توزيعها. حين تصف الخوارزمية وجهاً بأنه أقل جاذبية، فهي لا تقدم حقيقة طبيعية، بل تعكس بيانات وتفضيلات ونماذج تجارية قد تكون منحازة منذ البداية. لا تعني مقاومة التمييز على أساس المظهر إنكار الاختلافات أو استبدال معيار بآخر. الأهم هو إدراك أن الصورة التي تمنحها المنصة انتشاراً أكبر ليست بالضرورة أكثر جمالاً، وأن الوجه الذي لا ينسجم مع النموذج السائد لا يمثل فشلاً شخصياً. في هذا المعنى، تبدو ضحكات «نادي القبيحين» أكثر جدية من كثير من خطابات الجمال؛ لأنها تكشف الحكم الجمالي وتعيده إلى حجمه المحدود، بدلاً من السماح له بأن يتحول إلى حكم نهائي على الإنسان. إذا كان لكل عصر قبحه، فإن عصرنا ابتكر قبحاً تحدده قابلية الصورة للقبول داخل السوق والمنصة. لم يعد القبيح هو المختلف عن معيار ديني أو اجتماعي فحسب، بل هو ما لا ينسجم مع الصورة الأكثر تداولاً، أو ما لا يحقق شروط الظهور والانتشار. وهنا تكمن قوة إيكو المستمرة: إنه يدفعنا إلى النظر خلف الصورة، والسؤال عما أخفيناه، ومن قرر أن نخجل منه، ومن يربح حين نصدق أن أجسادنا ناقصة.

لم يختفِ القبح؛ لقد تغيرت الجهة التي تنتجه وتوزعه. انتقل من حكم تصدره المؤسسات التقليدية إلى سلعة يبيعها السوق، ثم إلى نتيجة تنتجها الخوارزميات بصمت. وما ينبغي أن نراه أخيراً ليس قبح الوجوه، بل قبح النظام الذي يحول الاختلاف الطبيعي إلى عيب، والقلق إلى سوق، والإنسان إلى صورة قابلة للتقييم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان