ا. د مصطفى لطيف عارف*
تمنح هذه الوسيلة السينمائية القاصة ( عبير الحداد ) فرصة التحرر من القيود المكانية, والزمانية في السرد الحكائي التقليدي , إذ تتمكن الساردة من خلالها من التنقل بين الأزمنة , والأمكنة بحثا عن الأحداث ,والتفصيلات الأكثر أهمية في القصة , فالتوليف عملية انتخاب وتوقيت وترتيب لقطات معينة في تسلسل سينمائي – وهي العامل الخلاق الفاصل بإنتاج أي فلم- وان انتقالها من السينما إلى الخطاب الأدبي لن يؤثر- بالضرورة- في أهمية دورها في الخطاب الجديد ,فالتوليف بهذا المفهوم يمتلك قدرة واسعة على التخييل , وتقديم اللقطات , المؤثرة فنيا , لأنه مؤسس على تراكب لقطات تراكبا هدفه أحداث تأثير مباشر ودقيق نتيجة لصدمة صورتين , تعبر كل واحدة منهما عن واقع محدد , وتكون مهمة المشاهد / القارئ اكتشاف , وتأويل نوع العلائقية التي يمكن أن تجمع بين هذين الواقعين , استطاعت القاصة المتميزة (عبير الحداد) تناول هذه التقنية الحداثوية في قصتها (توأمي), فنراها تقول :- في صباح يوم منسي عاد أبي من بلاد العجائب، فرحتُ كثيرًا بعودته، هرعتُ نحوه أعانقه، وعلى عكسي نحو حقيبته هرعت توأمي، شرعت تفتشها، ساءني تصرّفها؛ فشرعت أؤنبها؛ لكن أبي استوقفني وقال: دعيها على راحتها، هي تظل أختك الصغرى، غضنتُ حاجبي، وقلتُ محتجّة: أيّ صغرى! هي مجرد عشر دقائق بين ولادتي وولادتها، قال: ولو حبيبتي، عشر دقائق تفرق.بلعتُ غصّتي داخلي، وصمتُّ، ضحك أبي، وقال: حبيبتي لا تغضبي، تبقين أنتِ الأعقل والأنضج.
نجد النص القصصي للقاصة المبدعة (عبير الحداد) اعتمد على ثالوث التأويل , من خلال حركة عين الكاميرا من بداية القصة من خلال ( الأب , والتوأم , والساردة), وقد تركت القاصة التأويل على مصراعيه للقارئ / المشاهد ,بمعنى آخر اكتشاف , وتأويل ( معنى المعنى) المتولد على حاصل الجمع بين اللقطتين من خلال أعمال الذهن , والتأمل , وإعادة النظر في المزج الصوري المونتاج بمختلف أنواعه الزماني , والمكاني , والتعبيري , والاسترجاع الصوري ( الفلاش باك) وغيرها من وسائل التوليف , والمزج الصوري , فكثيرا ما وجدنا القاصة تلجأ إلى هذا النوع من التكنيك السينمائي ولاسيما في قصتها (توأمي) فنراها تقول :- نظرتُ شزرًا إلى توأمي؛ فوجدتها غارقة في هدايا أبي، قبعة جميلة مطرزة بعقيق الغرور الذي تلبّسها لاحقًا كلما ارتدتها، حذاء راق من طراز فريد لم يسبق لي أن رأيتُ مثله، أخَذَت الحذاء والقبعة، وانصرفت دون حتى أن تشكر أبي، وقفتُ كالبلهاء في فناء غيظي وقهري، انصرف أبي بعدها، وعلى استحياء تقدّمتُ نحو الحقيبة لأرى أي مفاجأة قد خبّأها لي، صعقني أن رأيتُ الحقيبة خالية من أي شيء إلا من خيبتي، عدتُ إلى غرفتنا، فوجدتها أمام المرآة تتباهى وتمشي متبخترة، فصرختُ: كيف تجرؤين، وتأخذين ما ليس لك؟ إذ تمكنت القاصة ( عبير الحداد) من الجمع بين صورتين الأولى تلتقطها من الواقع المعيش , والأخرى تلتقطها من الأجواء العاكسة للذات الناضجة لها من خلال الحوار بين الظل ,والخيال / بين الواقع ,والحقيقة بين الانكسار للذات الحالمة ,كما يتجلى ذلك واضحا في استعمال المونتاج المكاني الذي تقوم به على أساس الجمع بين صورتين لمكانين مختلفين في زمن واحد ,أبعدت هاجس الفتاة عن هذا المكان , وقربتها لإحداث اجتماعية كانت تسكن أزمنة مختلفة , وأدركت ما كنت تفعله , فنراه تقول :- قالت: ماذا تقصدين؟ قلتُ: لقد جلب أبي لنا هديّتين، واحدة لك، والأخرى لي، فلِم أخذتِ كلتيهما لك، قهقهت قائلة: هاتان الهديتان لي، أنا من طلب من أبي أن يشتري لي قبعة وحذاء، وإن لم تصدقيني، اذهبي واسأليه، عضضتُ على جرحي، ونمتُ ليلتها باكية، لا أصدق أنّ أبي لم يحضر معه شيئًا لي، نهضتُ في الصباح الباكر، وانتظرتُ أبي إلى أن صحا من نومه، وذهبت أتحدث معه، لكنه لم يصغ إلي، دفعني برفق، وقال: حبيبتي أعدك أن نتكلم بعد عودتي من العمل ظهرًا ,إن مثل هذا النوع من المونتاج الذي يقوم على أسلوب المقابلة ,والمطابقة في تصوير ملامح البيئة العدائية الأليفة , يخلق دون شك نوعا من أنواع المفارقة الناشئة من التباين الواضح الذي تمت صياغته بقصديه لمخاطبة المشاعر الإنسانية , واستدعاء حالات التعاطف الوجداني , ومشاركة الشخصية القصصية معاناتها, ومن خلال النص القصصي انف الذكر استطاعت القاصة الرائعة (عبير الحداد ) نقل معاناة الشخصية القصصية ,والاندماج فيها, معتمدة على ذاكرتها في سرد الأحداث الماضية عن طريق تقنية الفلاش باك ,والاسترجاع للماضي عن طريق عين الكاميرا التي تتحرك من بداية القصة لتبين مدى تفاعل التقنيات السينمائية الحديثة مع فن القصة, فنراها تقول :- منذ ذلك اليوم لم أفاتح أبي بالموضوع، وكتمتُ حزني في داخلي، مرّت الأيام، وكبر الحاجز بيني وبين أختي، لا سيما بعد أن كبرنا، وصار لكل واحدة منا مملكتها الخاصة، يؤسفني أن كل واحدة منا باتت تعرض عن الأخرى إذا ما صادف والتقينا في نفس المكان، ما يغيظني أكثر أنّ الكل بات يهمّشني، لم يعد لي وجود غدوتُ نكرة في الخارج، وحتى في المنزل، لا يتذكّرني أحد سوى أبي الذي مرّ ذات ليلة من جانب غرفتي، فوجد الضوء شاعلًا، فطرق الباب، فقلتُ: تفضل أبي، وعندما رأيتُه انفجرتُ باكية، فتقدّم نحوي وضمّني، قال لي: ما بالك يا ابنتي، فانهرتُ حينها عند مشارف عجزي وقلة حيلتي، ونفضتُ بين يديه دخيلتي، فقال لي: بنيتي سبق وأن قلتُ لكِ، وسأظلّ أكررها أنتِ جميلة هكذا حبيبتي، خذيها مني نصيحة يا بنتي ما قد يناسب غيرك قد لا يناسبك، فارضي بما اختاره الله لكِ، وإن كنتِ مصرّة، سأسافرُ، وسأجلبُ لكِ نفس ما جلبتُه لأختك.
والمونتاج ألزماني في قصة ( توأمي) للمبدعة المتألقة (عبير الحداد) فيمزج بين لقطات صورية لشيء واحد , ولكن في زمنين مختلفين , ما يكشف عن أبعاد دلالية مختلفة, يتوصل إليها المتلقي عن طريق التأمل, والتأويل الذي تسمح به جوانب النص القصصي , وغالبا ما يرتبط هذا النمط من التوليف بعرض تطور الشخصية القصصية , سواء في الخطاب الواقعي أو الخطاب ألغرائبي , فيرصد المونتاج التغيرات التي طرأت على الشخصية مع تغير الظروف المرتبطة بتغير الفضاء القصصي , فنراها تقول :- فانتظرته على مضض في الصالة، ولم أجرؤ على الدخول ثانية إلى غرفتي، عاد أبي من العمل مرهقًا، فاستوقفته قائلة: أبي أريد أن أتحدث معك كما وعدتني، فأجابني دون أن ينظر إلي: أسرعي في قول ما عندك، فأنا مرهق جدًّا حبيبتي، فشرعت أنقّب في جبال الأسئلة عن إجابة تجبر خاطري، وبعد أن انتهيتُ، التفت إلي، وعلى وجهه بدت علامات الاستهجان، قال بصوت ينم عن انكسار وأسف شديد: لكنك لم تطلبي مني أي هدية، وكم فرحتُ ساعتها لأني ظننتُ أنّ هديتك هي عودتي، أعتذر بنيتي، سأجلب لك غدًا أجمل هدية، فتداركتُ الأمر، وهرعتُ أعانقه، وقلت: لا يا أبي أنت فعلًا أجمل هدية بالنسبة لي، كل ما في الأمر أنني أحببتُ أن أغيظ توأمي. ضحك أبي وقال: هذه هي ابنتي، أنتِ جميلة هكذا حبيبتي, أن القاصة المبدعة (عبير الحداد ) قدمت النقد اللاذع والاجتماعي عن طريق المونتاج الزمني بما يحمله من عناصر بصرية ,وذهنية متوزعة بين الماضي القريب, والحاضر يحمل رسالة ذات بعد اجتماعي يمثل إدانة ,واضحة لبعض العادات , والأعراف الاجتماعية السلبية بما تحمله من تجاوز واضح وانتهاك لحقوق الإنسان ولاسيما المرأة المظلومة , ومن خلال اللقطة الأخيرة لعين الكاميرا التي توجهت إلى بطلة القصة من اللقطة الأولى التي تحدثت فيها , فنراها تقول :-
قلتُ: لا يا أبي، أنا بهذا أكون قضيتُ تمامًا على وجودي، وأنهيت كياني بيدي.ازدردتُ ريقي ثم قلتُ: آسفة أبي؛ أنا أعلم أنّ لكل منا جمالها الخاص؛ لكن ما يزعجني تهميش أولئك الحمقى لي، إنهم لا يستطيعون أن يفرّقوا بيني وبين أختي، دائمًا يخطئون، ويختارون توأمي، ويتركونني دومًا أصارع وحدتي، قلة قليلة هي التي تستطيع أن تفرّق بيني وبينها؛ لكنها تكاد بعدد الأصابع يا أبي.رد علي: اصبري حبيبتي، تلك القلّة ستغدو يومًا جماعات، وستنصفكِ يا همزة الوصل.
* ناقد وقاص عراقي








