المترجم محمد كاظم مجيد: ترجمة الأفلام تختلف كثيرًا عن الترجمة التقليدية
نهضة طه الكرطاني
ترجمة الأفلام من المجالات الإبداعية التي بدأ الذكاء الاصطناعي يبسط سطوته على فضاءاته وبدأ دور المترجم ينحسر مخليًا الساحة أمام ترجمة الآلة وفي هذا المجال كان لنا هذا اللقاء مع المترجم محمد كاظم مجيد الذي ولج هذا العالم منذ سنوات خلت وصارت له تجربته المميزة:
ـ كيف بدأت العمل في ترجمة الأفلام؟
بدأ اهتمامي بترجمة الأفلام قبل نحو خمسة عشر عاماً وكنت لا أزال أمارس الترجمة التحريرية، كان دافعي الأساس هو الرغبة في الولوج إلى عالم جديد في مجال الترجمة، إلى جانب حبي للسينما واهتمامي بها. بدأت آنذاك بالتدرب على وضع الترجمة أو السبتايتل على الأفلام، وتعلمت استخدام التطبيقات والبرامج المتخصصة في هذا المجال. ومع الممارسة اكتشفت أن ترجمة الأفلام تختلف كثيرًا عن الترجمة التقليدية، وأنها تجمع بين المعرفة اللغوية والمهارة التقنية والفهم السينمائي. ومنذ ذلك الوقت أخذ اهتمامي بهذا المجال يتطور تدريجيًا، حتى أصبح جزءًا أساسيًا من عملي واهتماماتي.
ـ ما الذي يميز ترجمة الأفلام عن أنواع الترجمة الأخرى وما هي صعوبتها؟
ترجمة الأفلام لها خصوصية واضحة، لأن المترجم يعمل وهو خاضع لمجموعة من القيود التي لا يواجهها في أنواع الترجمة الأخرى. فهو لا يستطيع أن يترجم الحوار كيفما يشاء، بل عليه أن يراعي زمن ظهور الترجمة واختفائها وسرعة كلام الشخصيات وحركة الشخصيات ونبرة الصوت وقدرة المشاهد على قراءة النص. وهنا تكمن صعوبة ترجمة الأفلام بأن يقول الكثير في مساحة محدودة جدًا.مع الحفاظ قدر الإمكان على أسلوب الشخصية وروح الحوار. وهذه الموازنة بين الدقة والاختصار والوضوح هو من أصعب المهام التي تواجه مترجم الأفلام.
وهناك جانب آخر أراه مهماً جداً، وهو أن المترجم في الفيلم لا يمتلك الحرية نفسها التي قد يمتلكها في الترجمة التحريرية. فعندما يترجم نصاً مكتوباً فهو يمكن أن يترك لخياله مجالاً أوسع في إعادة الصياغة والتعبير، أما في الفيلم فالصورة موجودة أمامه وتفرض عليه حدوداً واضحة. لذلك لا يستطيع أن يضيف إلى النص شيئاً لا تنسجم معه الصورة.
ولهذا أرى المترجم شريكاً في وصول الفيلم إلى جمهوره الأجنبي حتى لو كان يعمل خلف الكواليس ولا يظهر اسمه للمشاهد في كثير من الأحيان. فالفيلم قد يكون ممتازًا من الناحية الفنية، لكن ترجمة حواره بطريقة سيئة يمكن أن تؤثر في تجربة المشاهد. المترجم هو الوسيط بين العمل الأصلي والجمهور الجديد، ولذلك تقع على عاتقه مسؤولية ثقافية وفنية مهمة.
ومن أكثر الأخطاء شيوعاً في هذا المجال هو التعامل مع الجملة بمعزل عن سياقها أو ترجمتها ترجمة حرفية من دون النظر إلى الصورة والشخصية والموقف. أو استخدام لغة عربية متكلفة. والترجمة الناجحة هي التي يفهمها المشاهد بسهولة ولا يشعر بأنها تعترض طريقه إلى الفيلم. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحدث للمترجم هو أن ينسى المشاهد وجوده، وأن يتفاعل مباشرة مع الفيلم.
ـ وكيف يتعامل مترجم الأفلام مع العبارات الثقافية التي يصعب ترجمتها؟
في الجمل المبنية على التلاعب بالألفاظ أو خلفية ثقافية معينة. في هذه الحالة لا نتمسك بالكلمات الأصلية، وإنما نحاول نقل الأثر نفسه إلى المشاهد العربي. ليكون الحوار طبيعيا وغير متكلف.أما التعامل مع العناصر المرتبطة بثقافة الفيلم، فهو من الجوانب التي تحتاج إلى انتباه خاص من المترجم. فقد يتضمن الحوار في سبيل المثال مثلًا شعبيًا أو إشارة إلى شخصية تاريخية أو عادة اجتماعية أو اسم مكان معين أو تعبيراً شائعاً في المجتمع الذي ينتمي إليه الفيلم، وقد لا يكون لهذه الإشارة المعنى نفسه بالنسبة إلى المشاهد العربي. هنا يحاول المترجم أن ينقل المقصود منها بطريقة يفهمها المشاهد من دون أن يفقد الحوار طبيعته. واحيانًا تكون اللهجات جزءاً أساسياً من بناء الشخصية لأنها قد تكشف عن بيئتها أو مستواها الاجتماعي أو هويتها الثقافية. كما أن مشاهدة الأفلام باستمرار تساعد المترجم على فهم لغة السينما نفسها، فالحوار في فيلم كوميدي ليس كالحوار في فيلم تاريخي أو بوليسي، ولغة شخصية مثقفة ليست بالضرورة لغة شخصية بسيطة أو هامشية.
ـ هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل مترجمي الأفلام؟
أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة مهمة جداً في مجال ترجمة الأفلام، ويمكن أن يساعد المترجم في تسريع العمل واقتراح الصياغات واكتشاف بعض الأخطاء. لكنه لن يلغي دور المترجم البشري لأن الفيلم يحتوي على ثقافة وإيحاءات وشخصيات ومواقف تحتاج إلى فهم عميق للسياق. لذلك أرى أنه سيكون أقرب إلى التعاون بين المترجم والتقنيات الحديثة، وليس استبدال المترجم بها، فترجمة الأفلام أكثر من مجرد مهنة أو عمل لغوي، إنها وسيلة للتواصل بين الثقافات. من خلالها يستطيع المشاهد العربي أن يتعرف إلى أفكار وتجارب ومجتمعات مختلفة متجاوزًا حدود اللغة.









