الاخيرة

بين السراي والمتنبي.. حكاية نصف قرن من “القرطاسية” والبساطة البغدادية

بغداد – فاطمة رحمة

في محله المكتظ برائحة الورق والأحبار وألوان الرسم والأدوات الهندسية واللوازم المدرسية وكل ما يُعنى بعالم القرطاسية، يقف عصام طهماس العلوي عند مدخل شارع الرشيد من جهة ساحة الرصافي بموازاة شارع المتنبي؛ ليروي تجربة تُقارب الخمسة عقود في هذه المهنة التي ورثها منذ العام 1976، حين كان طفلاً يصطحبه جاره من منطقة زيونة خلال العطلة الصيفية إلى هذا العالم الورقي المتميز.

ذاكرة المكان.. حيّ الذوات والعهد العثماني

يستذكر العلوي بداياته في هذه المهنة قائلاً: “عندما بدأت العمل كانت المنطقة تجمع بين كونها سوقاً وحياً سكنياً؛ إذ كان شارع المتنبي يضم بائع تتن (تتنجي)، ومحل أثاث، وصيدليات، فيما ينتشر على الشارع العام المحامون والأطباء، وقريباً منه يقع سوق الصاغة ومحلات المشروبات الروحية. لقد كانت المنطقة حياً لـ ‘الذوات’ لقربها من الديوان الملكي، وتسكنها عوائل بغدادية أصيلة وعلّية القوم من المحافظات، علماً أن هذا الحي أُنشئ في العهد العثماني”. ويضيف العلوي موضحاً فلسفة ارتباطه بالعمل: “بغض النظر عن هوى النفس، نحن ملزمون بأداء هذه المهنة التي ترتبط معيشنا بها، ومن هذا المنطلق تولّد لدينا الحب الشديد لها”.

تحولات القرطاسية.. من البساطة إلى “الفنطازية”

وحول تطوّر مستلزمات المكتبات، يشير العلوي إلى أن القرطاسية كانت في السابق محدودة المفردات، لكنها أصبحت اليوم بمثابة “البحر” الواسع، مبيناً:

• الاتساع والتنوع: لم تعد القرطاسية تقتصر على الأساسيات من المستلزمات المدرسية والمكتبية، بل دخلت عليها الهدايا، الحقائب، برامج الكمبيوتر وقطع غياره، المسابح، ألعاب الأطفال، والكماليات التي يُطلق عليها “فنطازية القرطاسية”، إضافة إلى مستجدات عالمية أصبحت ضرورة في كل بيت.

• البساطة القديمة: في مرحلة الدراسة قديماً -وحتى منتصف الثمانينيات- كان الطلاب يجلدون الدفاتر والكتب بورق أسمر، ويضعون “ليبل” الاسم الملصق بصمغ مصنّع من السكر والماء؛ حيث كانت الحياة بسيطة والناس بسطاء، قبل أن تتغير الأوضاع وتتعقد الحياة لاحقاً.

حركة الاستيراد وأكثر المواد تصريفاً

وعن مصادر البضائع وطبيعة الإقبال، يبيّن العلوي أنه يستثمر حمله للجنسية الأوروبية لجلب بضائع خاصة ومصطفاة من ألمانيا والسويد بما يتناسب مع حركة السوق، مستدركاً بالقول: “لكن الجميع يستورد بالدرجة الأولى من الصين، وتحديداً من مدينة إيووشنكهاي (Yiwu). وتتصدر الدفاتر وأقلام الرصاص قائمة المواد الأكثر تصريفاً ومبيعاً، تأتي بعدها في المرتبة الثانية المساطر، الألوان، دفاتر الرسم، والمبراة (المقطة)، وما عدا ذلك يُصنّف ضمن ‘فنطازية القرطاسية’ أو المكملات التي عليها إقبال وتصريف ولكن بدرجة أقل من الأساسيات”.

مقارنة بين الأمس واليوم.. فروق الأجيال والخيارات

ويُجري العلوي مقارنة بين أسلوب الدراسة في الماضي والحاضر، لافتاً إلى:

• الدفاتر والحقائب: “في المرحلة الجامعية لم نكن نملك ‘دفتر أبو السيم’، بينما يصرّ طفل الابتدائية اليوم على اقتنائه. وفي صغرنا لم تكن الحقائب متوفرة بكثرة، فكنا نربط كتبنا بحزام قديم مهمل، أما اليوم فيحمل الطفل أجمل الحقائب وأغلاها ثمنًا، ويستبدلها بعد منتصف السنة الدراسية، مما يثقل كاهل الأهل”.

• أقلام الرصاص والميكانيك: “كانت الخيارات محصورة بقلم رصاص واحد يُعرف بـ ‘أبو الحية’، أما الآن فتتنوع الأقلام إلى أكثر من 150 موديلاً. وكان القلم الميكانيكي (أبو اللب) موديلًا واحدًا فقط، واليوم تنزل منه الآلاف. وحتى خلال زيارتي لمعرض أقلام في ألمانيا، وجدت أقلاماً مخصصة للأعسر الذي يكتب باليد اليسرى”.

الجغرافيا التاريخية لأسواق بغداد القديمة

وفي ختام حديثه لـ (واع)، يعود العلوي إلى التاريخ الجغرافي للمنطقة، موضحاً: “سابقاً كنا معدودين في هذا المجال. شارع المتنبي في أصله لم يُؤسس ليكون شارعاً للمكتبات، بل كان يُعرف بشارع ‘فرن صمون الجيش العثماني’، قبل أن يأخذ اسمه الحالي ويصبح زاخراً بالمطابع والمكتبات. أما سوق الوراقين العباسي الحقيقي فهو سوق السراي الذي يتعامد في زاوية حادة مع نهاية شارع المتنبي، ويمتد حالياً من محلات ‘كبة أبو علي’ وصولاً إلى جسر الشهداء، بموازاة سوق السراجين المتخصص بدبغ وتصنيع الجلود منذ العهد العثماني”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان