نعيم عبد مهلهل
ليس للشعر وطن رغم أنه أكثر بقعة في الكون تحتوي على خرائط لتضاريس لا تحصى ورغم هذا تشعر أن كائنا كالشعر ربما آتى في لحظة بدء كوني من كوكب أخر ليسكن الأرض ويرينا شجن أن يرتقي المرء بوجوده إلى مكان آخر غير هذا المكان المحصور بين قطبين . قطب في الجنوب وقطب في الشمال . يأتي الشعر عندما نصاب بأستباق ما لحقيقة أن نكون تحت تأثير خد مشفرة الرغبة للتلاوة وليس القول وتراهم ( أي الشعراء ) ينساقون لنمط معين من شعور لا يتجانس مع الرابط الحياتي ، أي انهم يهيمون بفضاءات تتحرر فيها احساسات الواقع لتبدو شيئا أخر فيه من الهلوسة والارتقاء بالمكان والكلمة الشيء الكثير ، انهم يتلون الموسيقى من الأفئدة فيما يتلي الموسيقيون الموسيقى من آلات متعددة ولهذا كانت روح الشعر تبدو مثل هيجان الجسد حين تتحرر من ذاكرة اللحظة لتنصب كلمات وبحور على الورق ومتى تنتهي مودة التواصل بين الرغبة البعيدة واللحظة الأرضية تنتهي القصيدة إلى خاتمة قد يدخل عليها فيما بعد تصحيح وتعديل وحذف وإضافة لكن لحظة التوهج والخلق الحقيقي مرت ولن تعود .. أفكر ببوذا ..وبوذا يفكر بي . وما بيني وبينه كالذي بين صفاء النبع والمشاعر الغامضة . أنه يفكر بكونية الشعر وأنا أفكر بكونية الرغيف والرصاصة وما بيننا يبدأ بسؤال أجابته تبدأ ( كن معه وتعلم من حركة أجفانه ) .وما بعد ذلك فلكل مسار محطة يتكأ عليها بعد رحلة التعب ، ورحلتي مشتغلة بهيام اللحظة ومستعيرة شغاف فم الأنثى وساعية لتكوين إمضاءات الوصل على جسد الجملة ، فما يقوله الصامت يردده ألف لسان . تلك رؤية بوذا للعالم مستنارة بالإشارة ومستندة إلى أزل من ميتافيزيقيا الميكانيك : ( ما يدور يتحول في الأخر إلى موج بحور (..لأقف عند تلك الرؤية ، أتخيل فيها ما يمكن أن يحل بنا لو أن الأرض لم تحو الفلاسفة والقديسين والأنبياء . سنكون يبابا ، يشتبك فينا هوس المنجنيق وفوهات المدافع فيما لا يدخل الشعر موائد الصفاء ولحظة السكر أو انطلاق ما في الذات من الشجن اللوعة إلى رمش يتغازل مكرا مع حزمة ضوء تحت شفتي امرأة جميلة . ومودة شعر لا تمل حتى بإنجاب الأنبياء مادام القول الكريم يقول ( أن من البيان لسحرا ( .. وعلى أديم الكلمة المشعة كيراعة تتحرك رغبة القول في إنسانيتنا ونحاول أن نجد مدركا لما نقوله فنلوذ بالصفاء الذي يمتلكه الأخر ومنهم العزيز بوذا . والبوذية أحد غنوصيات العالم القائمة على تجريد الذات من كل محفزات وأشكال دنيويتها ، إنها التعالي والذهاب إلى عالم لاذرة تراب فيه تجبرك على مسح العوالق ولاصدى كلمة مشوشة تحتاج إلى تفسير ، إنها روح مدورة وتتحرك في محيط سديم من التأمل وقراءة الأفكار الأخرى . وماهي الأفكار الأخرى : أنها ( خليط من لذة نصنعها بإيعاز من غيب لانراه ولكننا نحسه يتحرك بين أصابعنا وفي خفقان قلوبنا ، وفي نومنا نراه مثل فلاح البستان قادم إلينا بسلة الثمر ) . لهذا فأنه قائم على لحظة التأمل بقدرة حسه ولاأثر للجسد أو القوة ، ما تمنحه لنا الطاقة الروحية هو ما تمنحه السماء البعيدة لمن يختار هذا المنهج ، من هكذا نبع تأتي الأفكار وتهيمن على موجودنا وهذا في حكم القدر والتقدر يحتاج إلى تمرين صعب . ذلك أنك حين تود تنشئة الذائقة على سياحة الذهن ورقته عليك أن تنزع جسدا وتلبس أخر وهو ما تسعى إليه البوذية تماما وما يفكر به الراقد تحت ظل نخلة المنى ينتظر تدفق موسيقى الزمن الذي أمامه وفي رجاء أسطوري يتمنى أن تسكت كل البلابل ويبقى الذي يتمناه وحده مغردا في سياحة العاطفة وصناعة الكلمة وتأويل الحلم إلى افتراض وجوده هائما وسابحا في ذاكرة الشعر التي نلبسها بياض الثوب وبياض النية وبياض التصور . وعلى هاجس الزمن تنتظم هواجسنا ويقول الشعر أشياءه بهدوء حتى كأنه يتمالكك شجن التواصل بين ماتريد وما لايصل اليك من جمل تمانع ان تولد في خاطرتك كما تمانع الغيمة منح الحقل الظمآن المطر ولهذا يفكر البوذي في كل أزمنة هذا الخلق أن يستقر مع نفسه بعيدا حتى يفعل شيئا ، أنه يلوذ بالحكمة لكي لاينشغل بقساوة الوقت وجروح الدقائق وعليه أن يهزم كل رغبةٍ لأمتلاك مايقربه من شهوة الحاجة ، لذا هو يلوذ بالمطلق المتعالي ولاحاجة له في الماديات ويرينا هذا المقطع النثري الرائع الذي كتبه طاغور صورة من صور هذا التعالي والنأي عن المادة وعدم الأنشغال بها.





