كتاب الحقيقة

الى الامانة العامة لمجلس الوزراء مع التحية ..

سامي كاظم فرج

 
يرافق ابو عذراء زوجته التي تفترش الارض بالقرب من فرن الصمون في منطقتنا لتبيع القيمر وبقية مشتقات الحليب..
لقد كنت الى وقت قريب ازداد فضولا ولكن مع نفسي من اجل السعي لمعرفة اسباب اصرار هذا الرجل على مرافقة زوجته التي عادة ما تستقبل زبائنها بابتسامة تملؤها البراءة ولغة مفعمة بالعفوية والعفة تلزم من يتعامل معها على احترامها كونها اختا او ابنة واعم من ذلك انسانة مكافحة..  لماذا لايعمد ابو عذراء لاستثمار هذا الوقت في عمل اخر يوفر له لقمة عيش اكبر حتى لو بقليل من لقمة العيش التي توفرها ام عذراء من خلال هذه (البسطية)… كانت من بين اهم ملاحظاتي على الرجل هو دوام ملازمة السيكارة لفمه وبشكل ملفت للنظر ففكرت في ان يكون هذا الاصرار على (الانتحار) ومنذ ساعات الصباح الاولى مدخلا لتلبية فضولي في التوصل الى اجابات عن بعض الاسئلة علني استطيع تقديم ما يمكن تقديمه من نصيحة في هذا الاتجاه او ذاك… حين توجهت اليه بالسؤال عن السبب الذي يقبع وراء هذا الافراط القاتل بالتدخين.. تنهد بعمق ثم حدق في عيني وقد انبأتني عيناه بعتبه على اثارة المواجع التي يغلفها باعماقه ليوهم نفسه بنسيانها: احنه 9 نفرات اني وام عذراء وست بنات وولد واحد..
وكأنه يدرك بان ما ابحث عنه غير هذا وانه سيوصلني الى ما ابغي حين رفع احدى قدميه وهو يشير اليها بقوله:
– انا معوق
– هل تعوقت في الحرب..؟!
وحين سرد لي قصته حيث كان في الصف السادس ابتدائي بمدرسة (الاشتراكية) في احدى مدن الناصرية وكيف ان هذه المدينة قد تعرضت الى فيضان ادى الى سقوط المدرسة ومن ثم تسربه مرغما من مقاعد الدراسة ثم التوجه الى العمل كحمال وفي احدى المرات واثناء عمله الشاق هذا زلت احدى قدميه مما ادى الى حدوث انزلاق في عموده الفقري خلف لديه هذا العوق الذي يحدد حركته بشكل كبير..
– وهل عرضت نفسك على اطباء
– عرضت نفسي على اطباء كلهم قالوا بان هذا ليس له علاج الا طبيب واحد قال سأجري لك عملية ولكن نسبة نجاحها 15% واذا فشلت ستكون معوقا بشكل  عام..!!
– هناك منظمات وخاصة الرعاية الاجتماعية تهتم بهذه الحالات هل راجعتها..؟!
– قدمت العديد من الطلبات الى الرعاية الاجتماعية وقمت بعدة محاولات عن طريق الاحزاب ولم احصل على شيء لاني لا انتمي لاي حزب فأنا (لا قراية ولا كتابة)
– هل تأخذ الدواء..؟
– الدواء (الحبوب) تكلفني اكثر من 25 الف دينار كل اسبوع والابر بين يوم ويوم سعر الابرة خمسة الاف دينار.. يكلفني كل الدواء حوالي 200 الف دينار شهريا..
– اين تسكنون الان..؟
– نسكن (حواسم) في منطقة الفضيلية بقطعة مساحتها 70م والتهديدات مستمرة بين يوم واخر من امانة بغداد التي تطالبنا باخلاءها وكان اخر تهديد هو انذارنا لمدة قصيرة وعكسها فانهم سيقدمون على هدم البناء ويستوفون اجور (الشفل) منا..!!
– اين تضعون (الحلال) من ابقار واغنام..؟
– نحن نعيش مع الحيوانات ولكننا لا نملك منها شيئا فنحن نشتري الحليب لنعمل منه القيمر واللبن ثم نأتي هنا لنبيعه
–  هل تريد ان تقول شيئا للمسؤولين..!!
لم يقل شيئا ولكنه لم يعد يرافق زوجته ..وبعد ايام عدة سالتها عنه فقالت والعبرة تخنقها انه مقعد في البيت وان الاطباء اخبروه بانه بحاجة الى عملية نسبة نجاحها لا تتجاوز الـ 10% واذا كانت لديه القدرة على السفر الى الهند فانه سيجري العملية هناك بنجاح ولكنه على ما يبدو استسلم لليأس وقنط في بيته ينتظر ما سيئول عليه القدر ..لذا فأن المواطن جبار حميد جليل امانة في اعناقكم ايها السادة المسؤولين. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان