نعيم عبد مهلهل
أن تهدي كتابكَ لمجنون أظنها فرصة تأريخية نادرة توازي تماما الفرحة التي تسكن اجفان الكاتب يوم تقع عيناه على غلاف كتابه في أول ظهور له في المكتبة .. فالمجانين بطبعهم هم العقول التي فضلت الشرود من محنة العقل ليعيشوا حياتهم بعيدا عن القيل والقال وعذاب العوز وتسارع خفق القلب المغرم وانتظار معاش أول الشهر. انظر الى صورة هذا المجنون الذي جلس في حفل توقيع كتابي ( الناصرية مواويل أور وعكد الهوا ) بين حشد من ابناء المدينة المحبين والاصدقاء وقد ارتدى ملابس الشتاء في جحيم الصيف و لهيبه الحارق ممسكا بنسخة من كتابي ، ولا اعرف إن كان هذا المجنون يقرأ أو يكتب فبعض البشر يداهمهم الجنون في مراحل متقدمة في حياتهم وربما كانوا معلمين او طلبة جامعة او من أي مكان مرموق وتأتي في لحظة ما صدمة الجنون جراء حدث حياتي صعب أو توارث فيسيولوجي في العائلة او ما شابه ذلك.
هذا المجنون الطيب والذي لم يتسنى لي شرف معرفته وادراجه في ذاكرة التمتع بتلك الارواح الطيبة التي كان لاحدهم حصة من فصول الكتاب وهو ( كاظم الحلو الحباب ) الذي مات شبه مقتول في سجن التسفيرات في مدينة الناصرية عندما تُركَ يعاني من موجة الصرع ولم يُقدم اليه اي اسعاف أولي لإنقاذه .
يمسك كتابي بشيء من متعة الرغبة الدفينة واللذيذة لمعرفة ما يحويه وإلا ما الدافع الذي يدفعه ليجلس بين الجموع ويأخذ كتابا ..؟ إذن هو يمتلك باطنا عاقلا ربما ستكون له فيه الفة جميلة مع كتابي ، وهنا مكمن روعة التفرد في اهداء كتاب لمجنون ، حيث لايتهيء للكثير من الادباء والكتاب التمتع بهذه الخصوصية أن تجد كتبهم مستقرا تحت اجفان فلاسفة الضوء والعقل الهائم في فضاء النظرة وفطرة الابتسامة والثياب التي تمزقها الريح والنوم على ناصية الطرقات. انظر لعيون هذا الشاب الطيب بقبعته وغطاء وجهه وكأنه واحدا من رجالات عشائر الطوارق المتواجدين في الصحراء الافريقية بين الجزائر ومالي والنيجر يحتمي من الحر بالحر ، ويمسك كتابي بشيء من تصوره انه يحتاج الى المعرفة ليثبت للآخرين أن الجنون عقلا وسياحة وراحة ، وحتما في الليل ان توفرت الكهرباء تحت عمود الشارع المضاء او شمعة في مسكنه ومأواه سيتصفح اوراق كتابي وسيجدني اعيش معه بنبضه الموسيقي وبجوعه وعطشه وامانيه بما توصلت اليه حياته ان يبقى يسكنه التيه والتجوال والمغايرة في ارتداء ثياب الشتاء في الصيف وارتداء ثياب الصيف في الشتاء. هي لقطة نادره أن ترى مجنونا يمسك كتابك في حفل التوقيع . وحتما ستضيف اليك ندرة حلوة من فقه التمتع بآثار منجزك عندما يتجاوز عقل القارئ العاقل ويصل الى عقل القارئ المجنون يقودك الى صيرورة من الحلم والدهشة والسعادة عندما يولد فيك الظن ان الكتاب يمكن ان يكون شفاء مؤقتا ومسكنا لفورة الهياج عند المجانين واتخيل ملامحه الهادئة في الصورة وهو يمسك كتابي كما يمسك الحالم وردته . متعة الوجه الطيب هذا ، تزيدني اعتزازا بما انتج واكتب وانتمي اليه ..واقصد ذلك الوطن المندى بدموع الامهات وتلك مدينة الجنوبية الغافية على سوابيط اجمل الذكريات………!





