كتاب الحقيقة

المثقف العراقي … وفاعليته الاجتماعية

حيدر ناشي آل دبس 

 
يبتعد المثقف العراقي في هذه الفترة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر عن دوره المنشود والمسؤولية الملقاة على عاتقه كحامل لمشروع التنمية الثقافية ، وكمعبر عن تطلعات أبناء الشعب العراقي ، فقد ابتعد المثقف عن فاعليته في التعبير عن معاناة أبناء بلده وأصبح تقليدياً يراكم في المعلومات وذلك على حساب الكيف منها ، واخذ يكتب لغرض الكتابة فقط ، وكأنما الشعب يعيش في رخاء ونعيم ، غير مبالٍ بما يمر به المواطن من بؤس ثقافي واجتماعي ، حيث شيوع قيم الخرافة والأسطورة في بنية المجتمع العراقي ، والتغييب الواضح للعقل في اخذ مجاله الواسع من التفكير والتقييم والنقد ، لذلك تجد الشارع يموج بالأفكار الغيبية التي آخذت مداها الكبير وبشكل لا يطاق ، حيث الانعزال والابتعاد عن الحاجات اليومية والتمسك برداء اليوتوبيا الأخروية التي ترسخت في التفكير الجمعي ، والانقياد الأعمى لرجال نصبوا من أنفسهم أولياء الأمر عليهم دون الاعتماد على الذات في تحديد خياراتهم الحياتية ، وفي خضم هذا المعمعان تجد المثقف أما انجرف مع هذه الموجة اللاعقلية أو منعزلاً ومنطوٍ على ذاته ومصاباً باليأس من إمكانية التغيير وهؤلاء هم النسبة الأكبر من مجموع المثقفين في العراق ، مما فسح  المجال لمقرري مصائر الناس من العيث بعقول المجتمع وفرض ما جادت به مخيلتهم من بؤس فكري وتقييدهم بجلجلة العذاب الأخروي الذي أصبح الحديث اليومي والتجييش المستمر لموقعة الموت ، هنا يتبادر إلى الذهن ويبدأ التساؤل عن المشروع النهضوي التنويري الذي يجب أن يضطلع به المثقفون وإشاعة قيمه في البناء الاجتماعي ، نتساءل نحن كمتدرجين في سلم الثقافة عن المساهمة التي يجب أن يقدمها من سبقنا في هذا المجال وما هي الخطوات التي علينا إتباعها لنكون فاعلين في عملية التغيير وذلك باعتبارهم سبقونا في امتلاك ناصية الثقافة التي نعمل على الوصول إليها ، أم نخضع لمنطق ” فاقد الشيء لا يعطيه ” ، والبدء بتغيير الأنموذج العراقي الذي أردنا أن نقتدي به والذي أدت انعزاليته وسلبيته إلى صعود تيارات رجعية فرضت إراداتها المستعارة على عقول الجمهور الأكبر من أبناء شعبنا ، قد أكون قاسياً بعض الشيء في تحميلي المسؤولية الأكبر للمثقف دون اعتبار الظروف التي مر بها العراق وخصوصاً هدم منظومة القيم الأخلاقية التي عمل عليها النظام السابق وقد أبدع في ذلك ، لكن ما صبوت إليه في مقالتي هذه هو زرع الهمم والتكاتف والترفع عن الصغائر والابتعاد عن الذاتية المفرطة والواضحة لكثير من مثقفي العراق ، والعمل على إنضاج مشروع ثقافي تنويري واقعي يلامس متطلبات الحياة تكون الديمقراطية لحمته وسداه ، مشروع يحترم الرأي والرأي الآخر يبنى على الحوار الحر الديمقراطي دون الانجرار إلى التخندق وبناء جدران عازلة تساهم في زيادة الهوة بين المثقفين أولاً وبين المثقف والمواطن ثانياً ، لذلك هي دعوة صادقة أتمنى أن تجد صدى في أروقة من يريد أن يبني عراقاً ديمقراطياً حراً موحداً .
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان