برهان الشاوي / برلين / الجزء السادس
مر المنظف الأخرس من أمام فتحة الدرج فرأى الحارس آدم وهو يجثو على درجات السلم وكأنه قد تعثر، فأشار إليه بيديه مستفسرا. نظر الحارس آدم إليه ولم يجبه وحرك يده دونما أي كلام وكأنه يقول له أغرب عني، لكنه ظل يتلفت إلى أسفل الدرج وكأنه يتأكد من أن الجثة لن تتبعه.
بالرغم من مرور أكثر من سنة على ما جرى فأن الحارس آدم لا يدري، لحد الآن، بالضبط هل ما رآه كان حقيقة أم
(3)
تأمــــــــلات مـن قــاعـة الـتـشــريـح
ما حدث له مع الفتاة القروية كان بعد شهرين من تعيينه حارسا للمشرحة. لقد مر الآن على وجوده فيها سنة وثلاثة أشهر تقريبا. تعود خلال هذا الوقت على رؤية أهالي الميتين في مختلف تجلياتهم للتعبير عن حزنهم. تعرف على طريقة الأطباء ومساعديهم في التعامل مع جثث الموتى سواء أثناء عملية التشريح أو بعدها، وكيف أن بعض المساعدين يتاجرون بأعضاء الموتى، أحياناً، مستقطعين إياها من الجثث، خاصة لبعض النساء اللواتي يمارسن السحر، بل وكيف كانوا يتعاملون مع الجثث بلا أي اعتبار، فهي بالنسبة لهم جثث، كتل من اللحم، حالها حال جثث الأغنام، يقطعونها بلا أي شعور أو إحساس خاص بالتعاطف الإنساني، بل أحيانا بنوع من القسوة مثل أي قصاب في السوق، فإذا ما لاقى صعوبة في تشريح جزء أو فتح عضلة فأنه يأخذ الساطور ليهوي على ذلك الجزء مهشما إياه أو مقطعا أو هارسا له. في المرة الأولى التي رأى فيه عملية التشريح شعر برعب حقيقي، وبغثيان، ومنذ ذلك الوقت قرر أن لا يأكل اللحم. إن نظرته للحياة وللبشر، وفهمه وتقويمه لها، تأثر بمشاهداته للجثث يوميا، ورؤيته لعملية تشريح الأجساد البشرية، لاسيما لجثث بعض الشخصيات التي كانت تحتل في الحياة مواقع سياسية أو ومناصب حكومية، ثم يراها ملقاة على السرير النقال لا حول لها ولا قوة، بل هي مجرد كتلة من اللحم. ومن كثرة رؤيته للجثث ولعمليات التشريح، صار إذا رأى شخصا، أيا كان ذلك الشخص، فأنه يراه بعين خياله عاريا على السرير النقال، أو انه على مصطبة التشريح، أو أنهم قد فتحوا بطنه، أو أنهم يفتحون جمجمته بالماكينة الكهربائية التي تستخدم لقص الحديد أو الخشب ذات القرص المسنن، بعد أن يكون مساعد الطبيب قد رسم خطا على الجبين يحدد فيه حدود تمرير السكين الحاد لقص جلدة الرأس أولا ً، ثم لنزع جلدة الرأس بكل سعر الرأس الموجود، لتبرز الجمجمة بدون أيما جلد عليها، ثم يتم استخدام المنقاش الحديدي لفتح الجمجمة فيبرز الدماغ. ما أكثر المرات التي شاهد فيها مساعد الطبيب وهو يكسر القفص الصدري بالساطور ليستخرج القلب والرئتين وبقية موجودات الصدر، وكيف تشق البطون ويستخرج منها كل الأحشاء الموجود هناك. دمرت هذه المهنة حياة آدم. ليس بالمعنى المادي، فهي على العكس ضمنت له راتبا شهريا ومأوى جيدا ً. لكن حياته دُمرت من جانب آخر، إذ لم يعد يرى في الناس سوى كتل لحم بشعة، وجيف تمشي، وأحشاء مليئة بالبراز والفضلات النتنة. ما أن ينظر لرجل سمين، حتى تبرز في خياله طبقات الدهن المتراكمة، التي على مساعد الطبيب أن يسلخها مع الجلد عند فتح الجثة، وكذا الأمر حينما يرى رجلا نحيلا فأنه يفكر في سهولة شق بطنه وفتح القفص الصدري. كما يرى الأحشاء والأنسجة اللزجة التي تغطي البطن والصدر عن النساء، وكيف يتحول النهد الذي يتغنى به الشعراء ويثير شهوات الرجال إلى كتلة بشعة من مادة طرية لزجة، وكيف ينكمش النهد عند فتح الصدر ويتحول وكأنه قشرة تين مهروس. لقد أخمدت مشاهداته رغبته القوية بمضاجعة النساء، فصار يكتفي بالاستمناء، بل صار يفلسف الاستمناء، ويعتبره أفضل حل لتلبية الرغبة الجنسية، فالأمر يتم وفق أجمل التخيلات مع أجمل النساء ومن خلال أجمل الأوضاع، دون أن تتعامل بشكل واقعي مع أجساد هو يعرف أنه لا يستطيع أن يرى فيها غير جثث باردة مفتوحة الصدر بطريقة كريهة ومهشمة الصدر مع وجوه منزوعة الجلد حيث لم يبق سوى الجمجمة. الاستمناء هو وسيلة الاكتفاء الذاتي، وأحد الحلول للخلاص من جحيم الآخر. صار يهزأ مع نفسه من أغاني الحب، ومن الأشعار التي تؤكد على هموم القلب وعمق المحبة فيه، وهو يراه يوميا تقريبا، لا يعدو قطعة من اللحم المغطى في معظم الأحيان بطبقات من الشحم، والذي يشقه الطبيب أحيانا فلا يخرج منه سوى بعض الدم الأسود. لقد قضت هذه المهنة على أحلامه، ورومانسيته وشاعريته. لم يعد يفكر في الحب على الطريقة الشرقية. حب الآهات والدموع. ولم يعد يفكر في الزواج وتكوين عائلة، ولم يعد يفكر في المجتمع البشري وآلامه الاجتماعية. صار يؤمن أن الموت هو الحقيقية الوحيدة التي لا يريد البشر النظر إليها، وأن الإنسان هو أبشع المخلوقات على هذه الأرض. صار يؤمن بالروحانيات بشكل واضح، فالإنسان ليس سوى جيفة تتحرك، لكن اللغز في نسمة الحياة، أو كما تسمى: الروح. صار يفكر في الروح. تأكد من أن السمة الحقيقية في الإنسان هي روحه. حين تغادر الروح لا يبقى من الإنسان سوى هذا الجسد البشع من الداخل. بعد فترة قصيرة من عمله أخذ يفكر في الأطباء ومساعديهم. هل هؤلاء بشر ويمتلكون أحاسيس وعواطف. كيف يذهبون إلى بيوتهم ويجلسون على مائدة الطعام، بل كيف يأكلون اللحوم، علما أن الذي أثار استغرابه أن هؤلاء الأطباء ومساعديهم يحبون أكل اللحوم، فكثيرا ما كانوا يرسلون الساعي لشراء الكباب أو الرز مع قطع اللحم المشوي أو المسلوق من المطعم القريب من المشرحة. ذات مرة استيقظ مبكرا جدا. لا إراديا ً ذهب إلى قاعة الجثث، فلمح مساعد الطبيب يحضن إحدى جثث النساء رافعا رجليها إلى الأعلى دافعا بقضيبه في فرج المرأة الميتة التي حملوها عصرا إلى المشرحة. فكر في دناءة هذا الرجل، لاسيما وهو متزوج ولديه أطفال؟ ما هي الرغبة التي يمكن أن توقظها في نفسه جثة باردة، يابسة، ومتخشبة؟ جثة تفوح منها رائحة الموت الغريبة؟. لكنه انتبه، بعد ذلك، إلى إن المرأة كانت في حياتها جميلة وذات جسد مثير، إلا أنها الآن جثة هامدة، باردة، فاقدة للإثارة رغم عريها الفاضح؟ كما انه انتبه إلى أن المساعد تفوح منه رائحة كريهة أيضا، ربما أكثر عفونة ونتانة من رائحة جثة المرأة العارية.









