كتاب الحقيقة

ذي قـــار والانبــــار ومدحت باشا

نعيم عبد مهلهل

تبنى المدن بهواجس الملوك وأقدارهم ، تلك جدلية التأريخ منذ أن بنى ملوك سومر مدن المجد الأول في أور وأريدو وأوروك ولكش ولارسا وكيش وبابل ، والمدن تبنى أولا نتاج هاجس وحلم وبحث عن مأمن من عدو او كواسر البر التي تحيط بتلك المستوطنات البدائية ، ومرات تُبنى المدن حيث يبنى المعبد وقصر الملك وبيوت الجند ثم تزحف اليها البشر بحثا عن لقمة العيش أو سخرة لبناء سور المدينة او لزيادة عدد الهتافات التي تنادي : يحيا الملك..!
في التأريخ العراقي الذي عاش مقسما لدويلات بأصول ومرجعيات عرقية وقومية مختلفة ، سومر في الجنوب ، وبابل في الوسط وآشور في الشمال كانت المدن تبنى بطابع العِرق الحاكم الحضاري والثقافي ، الطين في سومر ، والحجر المفخور في بابل والرخام في آشور ، وكانت المدن تحمل طبائع المكان وحده ، وحتى أيام الدولة الاسلامية في العراق فلم يبنى من المدن الكثير عدا البصرة بغداد وواسط وسامراء ، فقد كانت حواضر العراق لاتشتهر فيها سوى الحيرة ( الكوفة ) ، أما مدن الشمال فقد حولتها الحروب القديمة الى اطلال وكانت مواطنا لشعوب آرية متنقلة. خرب هولاكو وتيمورلنك العمران الحضاري للذاكرة الحضارية عندما هدم بغداد واحرق مكتباتها ، وعاشت المدينة العراقية بؤساً عمرانيا وتخلفا كبيرا فلم يكن في اثاث المدن سوى الاسواق الموحلة وبيت الحاكم وحمامين بائسين وجوامع مخربة ، وأنحسر التواجد الحضري نتاج بقاء العراق ساحة للصراع الدموي بين بلاد فارس والدولة العثمانية ( الصفويين ، والبويهيين ، والقاجار من جهة ، والدولة العثمانية من اول سلاطينها وحتى آخر امير مؤمنين فيها.لكن بفضل نمو الانتماء المذهبي لأئمة اهل البيت ( ع ) وأسلمة وتشيع بعض سلاطين المغول نشأت المدن الجديدة حول تلك المراقد برضى الولاة او بمضض منهم كما النجف وكربلاء والاعظمية والكاظمية . ايام الحكم العثماني والفارسي ، لم يكن لشاه او سلطان او والي التفكير بأنشاء حاضرة تديم مجد هذا البلاد ، ولم يفكر أي واحد منهم بتوأمة المكان وتوحيده في تعمير يشمل شماله وجنوبه ، لقد ابقوا العزلة من شواهد عصر مظلم ، وأي والٍ يفكر بالاصلاح تغتاله الاستانة اما خنقا او طعنا او بكأس زنجبيل مسموم ، ولهذا بقي الظلام والبؤس والحصار يخيم على ولايات العراق الثلاث بغداد والموصل والبصرة. لكن الوالي العثماني الأصلاحي مدحت باشا ( 1822 ــ 1884 ) خرج عن القدر الملوكي السائد منذ الازل وبنى حاضرتين مختلفتين في البيئة والجغرافية والمكون القبلي وانتماءه ، وكأنه بخطوته هذه يريد أن يجدد في نظرة المكان لوحدته وشموله في الاهتمام كمكان واحد ، وربما هذا التقارب في تأسيس مدينيتن ( الناصرية تأسست العام 1870/ والرمادي 1866 ) وغُيرَ اسميهما فيما بعد بمرسوم جمهوري واحد الى ذي قار والانبار جعل من هاجس التوحد في ذاكرة الانتماء للعراق اكثر وضوحا في التعبير الروحي للمواطنة كي نقفز بها فوق الطائفية والمذهبية والتخندق ونذهب عبر هاجس الوالي مدحت باشا الى الآخذ بالدرس إن المُدن أي جهاتها في جغرافية الوطن الواحد هي الحاضن الحقيقي للشعور بالمواطنة والانتماء الى وحدة تلك الجغرافية ، ولنتخيل مشاعر هذا الوالي الطيب التي تعاكس مشاعر اسلافه الحاليين في النظرة الى الوطن كواحد ، انه ( أي ) مدحت باشا تزوج سيدة عراقية والتي تنتمي الى احدى البيوت البغدادية ومن الاقلية الشركسية واسمها ( شهربان ) . أضع هذا الفاصلة التأريخية أمام القارئ واتمنى ان يأخذ بالتحليل الفطري والبسيط هذه الجزيئة التأريخية ،أن تبنى حاضرتين في نية ربما غير مقصودة لتوحيد العزل الوطني والجغرافي الذي عانته مدن العراق منذ ايام سومر  . ويقرأه جيدا سيكتشف أن مؤامرة اخرى تجري اليوم على ارض الانبار قد يُراد لها ان تديم ذات العزل. وأن نجحت فنحن ذاهبون الى تشظية البلاد ونحرها بسكين الاقلمة والتقسيم ، وهذا ما تكافح الحكومة لردعه في مطب هذا الاقتتال الذي يجري اليوم في شوارع الرمادي والفلوجة وصحراء الأنبار. في النهاية ، الأمنية تسكن قلب الكاتب وكل مواطني بلاده ان تبقى التوأمة قائمة على حب العراق وجغرافية العراق بين الأنبار وذي قار……! 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان