جبار فرحان العكيلي
مجموعة لطيفة من القصائد .، احتواها ديوان شعر يصهل تحت غبار عنوانها ( خيول ناعمة )، موقعة بمداد شاعرتها ( د . راوية الشاعر ) .
استهوتني قراءتها عطفا على متابعتي ، لما تنشره من قصائد متفرقة هنا وهناك ، استفزتني في معظمها ، وحركت فيّ ذائقتي الشعرية على الرغم من اني لم أدخل روضة كتاباتها السابقة بشكل واسع .. فكانت خيول ناعمة مدخلا لقراءتها وتفحص ما فيها من اضاءات شعرية ، فمتعة السفر في اكتشاف المجهول البديع ، تعطينا مؤشرات شعرية جاذبة ..تبسمل لمجموعتها بالنفخ في خلايا الشعر كي توقظها ونحن معها على تحمل السفر بين محطات ومضامير الخيول المستفزة.
ففي كل قصيدة ، نقرأ أضاءة استفزازية تحمل بين مقتربات جملها الشعرية ، تنوع لغوي وتعدد صوري.
فالشاعرة راوية ، تقحمنا دون اية مقدمات في أول قصيدة ( طقس السقوط) حيث خلقت للسقوط طقوسا وتواريخا واستهلالا ، فما بين سقوط المعنى وادراك الكتابة ، وبين سقوط النهوض الثوري لتصور الابداع والتجديد …
• اصابعك ثورة الاشكال
على جلد القصائد
هذا تعبير واضح عن التجديد والتغيير في أطر البناء الشعري دون المساس بثوابت البنية الشعرية للنص . وتتعدد سقوطات الارتقاء في ..
• قداسة المعول ..
وخشية الرعد .. وعطر المنفى
ب بلد يسقط في الوحل نفسه
وتستمر الشاعرة لتستثمر الـ ( ب ) السببية المقنعة في معظم قصائد المجموعة لتحيلها الى متخيل تكثيفي آخذ بالتفسير والتوضيح والدهشة ، وهذه قدرة الشاعرة على تفعيل مسبباتها الناتجة عن خلفية اكاديمية ومعرفية …
• اشتاق اليك ..
هكذا قلمي ..
يشمك بأنوف الحروف
ثم تشغل الشاعرة بأوجاع الوطن المفجوع برموزه وجيناته التي خرجت على غير ما كان مخطط لها ان تكون ، حتى اصبحت ابوابه مجانية لدخول الغير ..
• الوطن ..
عروس مدللة بالاغتصاب
تلد في مساء صباحها
صناديق ملونة بالطحالب
بعدها تتعمق الشاعرة راوية في استخدام أفعال الأمر المطلبية الخجولة ، حينما تشكل لوحة من الافعال التي ترسم ثيمة قصيدتها ( انكسار الكسل ) …
( اطلق – احملني – امنح – دع – علمني – سلني – اعرني – ساوم – نادني –اشرب – قل – اغسل – كن)
اما في شهداء البوح ، فأنها تعترف بخسارات متلاحقة تتعرض لها الشاعرة ، حينما تمتطي صهوة بوحها في كينونة قصائدها ..
لذلك تؤكد الشاعرة شهادة حتمية لمفردات بوحها الصارخ في ازقة ذائقتها من خلال ..
• شهداء البوح ..
والمطر
رفاتنا قلم .. وقيامتنا قصيدة
لم تخف الشاعرة دهشتها حينما تشعر بنبض رفات قصائدها المدهشة والمستفزة على لوح براءة الكلام من مقصلة الافتراض السياسي ، للكثير من الذين لا يجيدون فن الدهشة ، في متعة النص ، فهي في نصها ( رفات الدهشة ) استهواءات افتراضية لرفات دهشة المتخيل من اسراب الكلمات واحتدام المعاني ..
ولم تكتف بجمل الدهشة ايضا ، انما اختارت للكثير من قصائدها لوازم لغوية وشعرية ، وبالاخص اكثارها من استخدام الـ ( ب ) السببية والتي تسحب القاريء لاكمال ما تريد ان تصل اليه الشاعرة من استنتاج ، او اجابة لحضور الباء المكثفة في قصيدة ( عزلة لا ) …
• ب الضرب نفسه … ب الزفير عينه
ب الاقصاء عينه … ب قشعريرة وسادة
ب القفل نفسه … ب الحلم عينه
اما في قصيدة (صدى الخواء ) فكان حرف الكاف التشبيهية ، طاغية ومهيمنة على النص بشكل واضح ومتميز وهي من المتواليات ..
• ك بلدنا الكبير
ك ديننا الكبير
ك ذبحنا عراة في الغرب … ك قصنا جناة في الشرق
ك اقصائنا شاة في الشمال … ك سبينا بنات في الجنوب
ك اعراسنا … ك بيع الفتنا المشردة
وتستمر الشاعرة في متوالياتها في قصيدة ( مواسم الغلق) وهذه المرة مع حرف ( اللام ) ….
•ل وجه آخر … ل فم آخر
ل صحن يتدلى عنبه
ل تسول دهشة
بعدها تدخل الشاعرة راوية في اسئلتها الاستفهامية ، لتجعلنا ضمن دائرة البوح الشعري المفتوح على تكهنات وتخيل جميل في العديد من التصورات الذهنية للنصوص من خلال ….
• أي ملاذ سأرتدي … أي القصور اسكن
أي الامنيات اسأل … أي المياه اسبح
هذه الاسئلة الاستفهامية ، لم تأت اعتباطا في النص انما جاءت نتيجة ولادة الوجع الوطني ، من خلال قصيدتها ( وطن الدمى ) ..
هذه القصيدة الثرية بصورها الشعرية القريبة من وجدان القاريء وارتباطه الشعوري بالمعنى العام للوطن ، والذي فضحت فيه الشاعرة .. الصمت الطاغي على دمى الحلبة ، حلبة العراق في ممارسة صبيانية ، تؤكدها الشاعرة في الابيات التالية …
• مارس الصناديق لعبة السؤال
والاصوات تصرخ في ….
رفات الورق
وتنتقل بعدها للوجع اليومي المزروع في خاصرة الوطن لتسأل …
• وطني …
كيف يكون السارق راعيا
واغنامك الفتية عمياء
كيف يدين …
سيد المطرقة سجين الفكر
وغرفك تعج بالضربات
اكثرت الشاعرة من الاسئلة الاستفزازية ، لكنها لم تنتبه لخلوها من علامات التعجب والسؤال ربما لاحتجاجها على لغة الجرح والصمت ..
ثم تبحر بنا الشاعرة راوية الى جغرافية الكلام ، وحرفنة الامكنة ، ومعاصرتها كجزء من محاكاة تاريخ مدينة وشخوص ، تعكس حركة شعب عبر شواهد يومية عاشها الانسان البغدادي بكل ما فيها من دمع وضحكات تناغما مع جرح الكل ، وشغف الكل ، وموت وحياة الكل …
وفي قصيدة ( موال حمد ) هذا الحمد الذي يمثل عراقيته بكل ما تحمل او ما تدل عليه ، وكانت الشاعرة جدا موفقة في اختيار عنوان جاذب لذاكرة مجتمع ميت افتراضيا ….
• ميتون كلهم …
احمد ..علي ..راوية ..عمر
نجاة الصغيرة .. والكبيرة
باب المعظم .. بائع الشاي ..
بريد الطفولة
صحن الباقلاء ..الجامع والشناشيل
اتحادنا .. وزارتنا
استذكار الشاعرة لاوجاع وطنها ، لا ينسيها ان تذكر بنات جنسها ، متمثلات بالمرأة التي فرضت وجودها كعنصر تحملت ما تحمل الاخرون من تهميش وويلات في وطن تتصاعد فيه ذكورة الاشياء في يافطات معلنة للاخرين تحت انارة التذوق الشعري الجميل …
• نحن نساء يتزوجن الخيبات
يداعبهن العوز والتهميش
يحبلن بـ احزان الخشونة
يتوحمن الخواء والحجارة
يلدن ضوء المحنة … وانكسار الخواطر
الشاعرة راوية استطاعت ان تقنعنا بتجربتها الرائعة والمتميزة ، طيلة مشوارها الشعري المشرف ، وتمكنها من خلق صورها الشعرية ، والتي تكاد ان تتميز بصناعتها وهي مؤطرة بأطار لغوي جميل وحاد في مرات عديدة .. استفزت القارئ في مواقع كثيرة جعلته يشاركها متعة الكتابة والقراءة والتخيل الجميل .









