لا يقتصر الأدب على تصوير ألوان الحياة وعواطف الناس وطبائع المجتمع، فهو مرآة لروح عصره أيضًا، بما فيها من وجع وتناقض وأحلام مكسورة. وحين تقع حياة الناس في منعطف تاريخي حاد تحت وطأة الظلم والحرب والخراب، لا يكتفي الأدب بسرد ما جرى. إنه يحاول أن يمسك بالقوى الخفية التي تحرك الوقائع، وبآثارها في النفس الإنسانية، وبالأسئلة الكبرى التي تثيرها في معنى الحياة. وأعمال كهذه لا يبليها الزمن، فهي تبقى للأجيال اللاحقة ذاكرة موجعة لما مضى وشهادة يؤديها الضمير الإنساني. ورواية “حاموت” للأديبة العراقية المعروفة وفاء عبد الرزاق من هذا الطراز النادر، تعرض فيها مأساة العراق الذي أنهكته الحرب، بحسٍّ إنساني عميق ونظر فلسفي وتجربة فنية لها بصمتها الخاصة.
تُعد وفاء عبد الرزاق من أبرز وأهم الأصوات الأدبية في العالم العربي اليوم. هي شاعرة وروائية وقاصة وناقدة من الطراز الأول، وقد ارتقت بأعمالها المتنوعة مكانة ظاهرة في الأدب العربي المعاصر. وهي عراقية تقيم في لندن منذ سنوات، غير أن جذور شخصيتها الإبداعية ما زالت ممتدة في حضارة وطنها وتاريخه وذاكرته الجماعية وأوجاعه. وفي شعرها وقصصها ورواياتها وعي عميق بمشكلات الإنسان المعقدة، وبالقلق الوجودي، وبالتفاوت الاجتماعي، وبأزمات العصر الفكرية والحضارية. ومما يميزها أنها لا تقف عند تنويع الموضوعات، فهي تفتش عن إمكانات جديدة للتعبير وتتجاوز القوالب الفنية المألوفة، فيلتقي في كتابتها عمق الفكر وجدّة الشكل. وقد لقيت أعمالها اهتمامًا يتجاوز العالم العربي إلى الأوساط العلمية والأدبية في بلدان شتى، وأُنجز عنها في الجامعات أكثر من 199 بحثًا، وهذا وحده شاهد على سعة أثرها.
و”حاموت” نموذج بليغ لهذه الفرادة. وعنوانها وحده يستوقف القارئ، فهو لفظ منحوت من “الحياة” و”الموت”، جُمعت فيه تلك العلاقة الدقيقة المضطربة التي تدور عليها الرواية. الحياة هنا تتنفس في ظل الموت، والموت يذكّر بحضوره في كل لحظة. الإنسان حيّ، لكنه لا يدري أتحمل إليه اللحظة التالية بشرى حياة أم أمر موت. وتلك المسافة التي تمنح الإنسان في الأحوال العادية شيئًا من الطمأنينة بين الحياة والموت تبدو هنا وقد انمحت.
تقوم الرواية على خلفية الغزو الأمريكي للعراق وما تلاه من أحوال مروعة، جعلت بلدًا ذا حضارة عريقة ساحةً للدم والبارود والخوف وانعدام اليقين. ولم تهدم الحرب المباني والطرق والمدن وحدها، بل زلزلت العلاقات الإنسانية والقيم الاجتماعية والهوية الوطنية وثقة الناس بالحياة. فمن حلموا بالسلام والحرية ومستقبل أفضل لم ينالوا إلا الخوف والحرمان والتشرد وحدادًا لا ينقطع. ولم يعد الموت حادثًا استثنائيًا، وصار جزءًا من اليوم العادي: ثكلت الأمهات، وتيتّم الأطفال، وتفرقت الأسر، وأحس شعب بأسره بالغربة والعجز في وطنه.
ولم تكتفِ وفاء عبد الرزاق بتسجيل الوقائع السياسية أو رسم الدمار من الخارج، فقد رفعت هذه المأساة إلى مسألة فلسفية أوسع تتصل بالوجود الإنساني. فمأساة العراق عندها ليست مأساة بلد وشعب فحسب، هي مأساة حضارة بشرية عجزت، على ما أحرزته من تقدم علمي ورخاء مادي وما رفعته من شعارات سياسية، عن أن تضمن للإنسان الأمن والكرامة وحقه الأول في أن يعيش. وفي الرواية تتشابك شهوة القوة والصراع على السلطة والعنف باسم الدين والكراهية الطائفية والخداع السياسي والظلم الاجتماعي والانحدار الأخلاقي، حتى تتكون أمام القارئ صورة موجعة للمجتمع العراقي، تدعو مع ذلك إلى التفكير.
ومن أبرز ما يميز الرواية أسلوبها الفني. فالكاتبة لم تبنِ سردها على تتابع الأحداث وكثرة الشخصيات والحركة الخارجية كما تفعل الرواية التقليدية. اعتمدت الحوار والمناجاة والرمز والأسئلة الفلسفية، وأقامت بها فضاءً تتآلف فيه أهوال الخارج مع اضطراب الداخل. بطل الرواية محمد، ويُنادى أيضًا «عارفًا»، يجوب باحثًا عن سر الحياة وحقيقة الموت. وفي مقابله عزيز، الذي يتخذ صورة ظل الموت، وليس شخصية عادية، فهو تجسيد لسؤال وجودي يواجهه كل إنسان في مرحلة من عمره. وحوارهما يخرج بالرواية من أن تكون حكاية أحداث إلى مناظرة فكرية جادة في الحياة والموت، والقدر والاختيار، والظلم والعدل، وغاية الوجود.
وتتوالى في الرواية أسئلة تردّ القارئ إلى نفسه. أخُلق الإنسان ليموت فقط؟ وهل حصيلة الحياة ألم وحرمان وفناء؟ وإن كان مصيره الأخير هو الموت، فما معنى الحب والأمل والنضال والروابط الإنسانية؟ وقبل ذلك كله: ما القوى التي تجعل الإنسان عدوًّا لأخيه، وتدفعه إلى أن يخضب يده بدم أمثاله؟ وتزداد هذه الأسئلة وزنًا لأن الكاتبة لا تقدم لها أجوبة جاهزة، وإنما تدعو القارئ إلى ميدان واسع من التأمل.
وفي بناء الرواية صلة دقيقة بين الواقع والرمز، وبين التجربة الخارجية والإحساس الداخلي، وبين الألم الفردي والمأساة الجماعية. فالمدينة ليست مكانًا جغرافيًا، هي رمز لعالم يحاصره الموت وفيه إنسان يتوق إلى الحياة. وظل الموت لا يدل على الفناء وحده، فهو يمثل كل قوة تحط من قيمة الحياة وتدوس الحقوق الأساسية للناس. ولغة الرواية فيها لطافة شعرية وجمال استعاري، وفي مواضع منها قوة خيال مدهشة. ولما كانت وفاء عبد الرزاق شاعرة في الأصل، فإن القارئ يلمس في نثرها عمق الحس الشعري وتعدد طبقات المعنى. إنها تعرض الأحداث العادية والأشياء المألوفة في منظور جديد، فتنكشف تحتها معانٍ لم تكن ظاهرة.
ومن وجوه أهمية الرواية أنها لا تحصر أسباب خراب العراق في حدث واحد أو قوة واحدة. فهي تنظر بعين ناقدة إلى العدوان الخارجي، وإلى جانبه الفوضى الداخلية والأنانية السياسية والاستغلال الديني وتقاعس المثقفين وتدهور القيم الاجتماعية. ولهذا فهي ليست صوت احتجاج فحسب، فهي دعوة إلى محاسبة النفس كذلك. وألم الكاتبة على وطنها صادق، لكن سعة فكرها تحوّله إلى وجع الإنسانية كلها، وبهذا تصير التجربة المحلية جزءًا من الأدب العالمي.
وأرى أن أعظم ما حققته الرواية أدبيًا أنها أعطت تجربة تاريخية فاجعة من تجارب العراق صورة فنية وفكرية لا تعبّر عن عصرها فقط، بل تظل قادرة على هزّ الضمير الإنساني في الأزمنة القادمة. وهي علامة فارقة في تصوير التجربة العراقية المعاصرة، ولا سيما الأزمة الوجودية التي أعقبت الحرب، والصراع بين الحياة والموت. ففيها ألم التاريخ وعمق الفلسفة ورقة الشعر، وذلك التوق الإنساني الذي هو السمة الأولى للأدب الرفيع.
ويسعدني أن تصل هذه الرواية المهمة إلى قراء الأردية. والفضل في ذلك يعود لباحثين شابين موهوبين في اللغة العربية وآدابها، هما الدكتور محمد ريحان الندوي والدكتور محمد ظفير الدين القاسمي، اللذان نقلا “حاموت” إلى الأردية بعنوان “موت و زیست کی کشمکش”. والترجمة الأدبية فن عسير بطبيعته، فكيف إذا كان النص الأصلي مثقلًا بالرمز والاستعارة والمباحث الفلسفية. إن نقل أدب كهذا لا يكفي فيه الإتقان للغتين، بل لا بد من معرفة عميقة بخلفية العمل الفكرية وأجوائه الحضارية وخصائصه الأسلوبية ومزاج صاحبه الإبداعي.
وقد قبل هذان المترجمان الشابان هذا التحدي الكبير، وهذه المسؤولية المباركة، وخطَوا بها خطوة مباركة في توثيق الصلات الأدبية بين العربية والأردية. وجهدهما جدير بالتقدير كذلك لأن كثيرًا من روائع الأدب العربي الحديث، ولا سيما الرواية العربية المعاصرة، ما زال بعيدًا عن متناول القارئ الأردي العام. فعلى ما بين العربية والأردية من علاقات علمية وأدبية قديمة مشرقة، ما زال في ترجمة القصة العربية الحديثة عمل كثير ينتظر. ومن هنا فإن صدور “موت و زیست کی کشمکش” يمثل إضافة قيّمة إلى ما نُقل إلى الأردية من الأدب العربي. وبه لن يتعرف القراء الأرديون إلى عالم وفاء عبد الرزاق الإبداعي فحسب، بل سيقتربون أكثر من التجارب المرة للمجتمع العراقي المعاصر، تلك التي منحت أدبه أبعادًا فكرية وأساليب جديدة.
ومما يُذكر هنا أن المترجمَين لم يكتفيا بنقل نص أدبي من لغة إلى أخرى، فقد فتحا بابًا جديدًا للحوار الفكري والحضاري بين تقليدين أدبيين عريقين. فالترجمة الجيدة ليست تبادل ألفاظ بين لغتين، هي وسيلة لنقل التجارب والمشاعر والأفكار الإنسانية. ومن هذه الجهة يستحق جهد الدكتور محمد ريحان والدكتور محمد ظفير الدين تقديرًا خاصًا. وآمل أن يواصل هذان الباحثان الشابان نقل روائع الأدب العربي إلى الأردية، وأن يسهما في تقريب الذخيرة الأدبية للغتين من بعضهما.
وأختم بالتحية لوفاء عبد الرزاق على هذا العمل الاستثنائي الذي ألّفت فيه بين وجع وطنها ووجع الإنسانية كلها، وأهنئ المترجمين من قلبي على هذه الخدمة الأدبية المهمة. وإني على يقين بأن “موت و زیست کی کشمکش” سيشكل قراءة نافعة مثيرة للتفكير لدى القراء الأرديين الجادين، وللأساتذة والطلبة، ولا سيما المهتمين بالأدب العربي الحديث.
تذكّرنا هذه الرواية بأن أفظع ما في الحرب ليس موت الناس وحده، وإنما تلك الأحوال التي يفقد فيها الأحياء أنفسهم فرحة الحياة ونعمة السلام وأمل الغد. ولعل أعظم معاني الأدب هو هذا بعينه: أن يُبقي في عتمة الموت مصباح الحياة مضيئًا، كي لا يفقد الإنسان، على ما به من انكسار، شجاعته على أن يظل إنسانًا.
*مركز الدراسات العربية والأفريقية
جامعة جواهر لال نهرو
نيو دلهي
18 أكتوبر 2026









