ثقافية

قصة قصيرة

الانسحاب الروحي

نسيم الرحبي*

كان «سليم» يعيش بين الناس، لكنه كان يشعر في داخله أنه بعيد عن نفسه.

كل صباح يستيقظ على أصوات الرسائل والمواعيد والطلبات، وكل مساء يضع رأسه على وسادته وهو يشعر بأنه أمضى يومًا كاملًا دون أن يعيش لحظة واحدة بصدق.

وفي ليلة هادئة، أغلق هاتفه، وأطفأ الأنوار، وجلس وحده أمام النافذة.

قال لنفسه: «ربما لا أحتاج إلى الهروب من العالم… ربما أحتاج فقط إلى أن أبتعد قليلًا عن الضجيج الذي بداخلي.»

في اليوم التالي، قرر أن ينسحب روحيًا لعدة أيام.

ذهب إلى مكان بسيط بعيد عن صخب المدينة. لم يأخذ معه إلا كتابًا ودفترًا وبعض الملابس. في البداية شعر بالفراغ. لم تعد هناك إشعارات تشغله، ولا أحاديث تملأ الساعات.

كان الصمت ثقيلًا.

وفي اليوم الثالث، بدأ يسمع أشياء لم يكن ينتبه إليها من قبل: صوت الريح بين الأشجار، دقات قلبه، وحتى الأفكار التي كان يهرب منها طوال سنوات.

اكتشف أنه كان غاضبًا من أشياء كثيرة، وأنه يحمل أحزانًا لم يمنح نفسه فرصة للبكاء عليها، وأنه قضى وقتًا طويلًا يحاول إرضاء الآخرين حتى نسي ما الذي يرضيه هو.

جلس ذات مساء أمام الغروب، وكتب في دفتره:

«الانسحاب ليس دائمًا هزيمة. أحيانًا يكون عودة. عودة إلى النفس، إلى الهدوء، إلى الله، وإلى الأشياء التي فقدناها ونحن نركض خلف كل شيء.»

بكى قليلًا، ثم شعر براحة لم يعرفها منذ زمن.

بعد أيام، عاد إلى المدينة.

لم تتغير المدينة، ولم تتغير مشكلاته، ولم يصبح العالم أكثر لطفًا.

لكن شيئًا واحدًا تغيّر:

هو.

أصبح يعلم متى يقول «نعم»، ومتى يقول «لا». أصبح يختار الصمت حين يكون الكلام عبئًا. وهكذا منح قلبه وقتًا بعيدًا عن أعين الناس.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يرى الانسحاب الروحي هروبًا من الحياة، بل مساحة قصيرة يستعيد فيها الإنسان نفسه، ثم يعود إلى الحياة بقلب أكثر اتزانًا وروح أكثر صفاءً

*قاصة وكاتبة من سوريا

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان