وجدان عبد العزيز
حينما نتحدث عن شعر فضل خلف جبر، نتحدث عن تجربة تفاعلت كثيرا مع الواقع وهربت مسافات عنه، إلا انها بقيت تعاني من ضغوطاته .. حتى ان الشاعر استبدل الامكنة ورضي بالابتعاد غربة، محاولا تلمس طريق الخلاص، ثم انه شهد انعطافات ومسارات فكرية مهمة في الانتقال من الحداثة الى ما بعد الحداثة، كونه مغتربا، يعيش خارج العراق، (ولكي يكون الانسان جزءا فعالا في منظومة عصره لابد ان يكون واعيا بإرهاصات عصره الثقافية وقادرا على فهم المستجدات الثقافية ولاسيما في مجال الادب والفن وان تكون لديه القدرة على تحليل مظاهر الثقافة في عالمه المعاصر. وان يتميز بقدرته على ان يكون ناقدا لثقافة هذا العصر والكشف عن مكامن الخلل التي بالثقافة لتكون احدى الوسائل المستخدمة في التسلط والهيمنة ورفض الاخر وتدميره والبحث بدلا من ذلك عن العوامل التي تجعل من الثقافة عنصرا فعالا في التغيير الايجابي وفي تقدم البشرية والارتقاء بقيم الانسانية) ص 79ـ 80 النقد الثقافي، ورافق هذه الانعطافات الفكرية والمناهج النقدية ظهور المنهج النقدي الثقافي الذي بدأ الخوض فيما هو عادي وهامشي ويومي، فلم تعد العناية مقتصرة على الادب الراقي، انما شملت الخطابات الشعبية، بحيث اصبح النقد الثقافي ممارسة وليس منهجا بمعنى ان الناقد يشارك في بناء النص، فاتخذ دراسة الانساق الثقافية ليكشف عن تداخل العلوم الاخرى المؤثرة في ثقافة المجتمعات .. وما يهمنا هنا تجربة الشاعر فضل خلف جبر الشعرية، كشاهدة على تحولات الحياة الغربية من نزعتها الفردية الى التعددية الثقافية وتأثيرها على الادب والمثقف العربي ونزوع الادب العربي، نحو مرحلة ما بعد الحداثة والعولمة وتحديات الهوية، وبهذا فان الشاعر فضل في ديوانه (مدري ياهو) الذي عانق الواقع وشهد سقوط الدكتاتورية في 2003 وما بعد الدكتاتورية صعودا ،وأصبح الوطن ودالة الوطنية الهاجس الاول في هذا الديوان .. ولهذا عمد الى الاشتغال على اشياء المحيط، لتكوين نسق ثقافي رافض للأنساق التي تحاول في مرحلة ما بعد الدكتاتورية، لترسيخها كملاذات للمحاصصات القومية والمذهبية، لهذا يحاول الشاعر كونه مثقفا فاعلا ان يتلبس دور الممارسة الاجتماعية باعادة البناء وفق استيعاب الاخر، واحترام مشروع التغيير الذي يتصير كملاذ للفرد ضمن منظومته الاجتماعية، كعضو فيها وكفاعل في البناء .. وهذا التحول الذي اقره الغرب سابقا وتحول من الفردية الثقافية الى التعددية الثقافية ، تحاول مواد الدستور العراقي بعد الدكتاتورية ترسيخ مبدأ الحقوق والواجبات، والتعددية الثقافية، فجاء نسق الرفض المضمر في ديوان (مدري ياهو) محمولا على الانساق بصورها الساخرة، حتى يقترب من الجمهور ويثبت ان النخبة ممكن ان تعيد تأثيرها الذي سحبته ثقافة الصورة ، فاعتقد ان هذا الديوان صرخة قوية لخلق نسق مضاد تماما، لنسق قبل سقوط الدكتاتورية، وعبر خير تعبير عن الروح النثرية الحرة التي جاءت بتأصيل من قصيدة النثر و(يمكن القول ان قصيدة النثر في العراق استثمرت هذه القضية استثمارا حيا لا سبيل الى غيره، لكن النتائج حققت تمثيلا عميقا للحال واجابت عن اعقد الاسئلة واشدها عنفا وقسوة وترويعا، وذهبت الى استغلال منطقة النفوذ الضيقة وتوسيعها من الداخل على النحو الذي يمكن ان تتحول فيه الى عالم كامل، يحكي هذه المأساة الانسانية والثقافية وينتج علامة بالغة الاهمية والحضور والتأثير، في امكانية ان يتحول الشعر تحولا عميقا يناسب الحال الاجتماعية والثقافية على نحو استرتيجي)ص113 الفضاء التشكيلي.. يقول الشاعر:
(حين توجهت اليك منذ عام المعركة
كنت ارى، ليس كما يرى النائم
كيف يدخل الخارج اليك
ويخرج الداخل
كنت ارقبهم واعدهم جميعا
وكنت ادوّن همهماتهم القلقة
وهم يُغذون الخطى عجلين
كأنهم على موعد حاسم مع آخر مطلع شمس!)
وهذا عكس انهماك الشاعر وانشغاله بالمراقبة، وهي حيرة وتردد بين اللحظة الشعرية التي تستولي على الشاعر وبين ضغوطات الواقع بكل ارهاصاته .. (وكنت كلما طرقتك يا باب/كنت كلما طرقتك …/كنت كلما …/كنت …/اشعر كأن داخلي يكاد يخرج/وخارجي يكاد يدخل/ وانا امسك بعروتك ضارعا/كمأزوم يقصد باب الحوائج)، وهكذا يعيش امنيات الرجوع الى احضان الوطن، وبين البقاء المأزوم بالغربة، ثم يستنهض الهمم في (ركضة وادي السلام) متوسلا حتى بالموتى ان يقطعوا سلسلة الانتظارات للوصول الى الحل.. (حررونا لوجه الله/وابتغوا فينا مرضاته/اننا خدج في الطبيعة/اسلاب في التاريخ/وهوامش في المشهد/ورمال في ريح التعرية)، وهذا تصاعد في الانفعال العقلي وبحث عن الهوية التي تحتاج منا اعادة النظر بكل التاريخ، واعادة قراءة لكل النصوص المقدسة ايضا .. نحن هنا بصدد اعادة تشكيل هوية امام الازمات المكدسة وامام العولمة واثبات الذات ..ولهذا قام الشاعر فضل خلف جبر بالاستفادة من تقنيات قصيدة النثر، فـ(ان هم التحول والمغايرة ليس هماً شكليا محضا تفرضه ضرورات الحاجة الفنية المحض للخروج على النسق واستيلاد اشكال بديلة، بل هو هم كوني حيوي وثقافي وحضاري يتسم بشمولية الاحتواء وكلية المعنى)ص83 الفضاء التشكيلي، وفي قصيدة (مسبحة عراقية)، تظهر مرفوضاته وبانفعال واضح ..
(علاوي ام المالكي
المالكي ام الجعفري
الجعفري ام عادل عبدالمهدي
………………..
………………….)
وممكن تأويل الفراغات لصالح مرفوضاته المسكوت عنها، وتطورت الحالة في قصيدة (دجلة والفرات) من خلال الصور المغايرة الصادمة التي يهتم بها النقد الثقافي باعتبارها انساق شعبية ظهرت بعد سقوط الدكتاتورية، وهذه الصور الصادمة والساخرة كسرت حالة التوقع واستثمرت صور الذهن القديمة، لاثبات صور الرفض المضمرة لفجاجة الواقع .. يقول الشاعر :
(ذات ما يربو على عشرة آلاف عام من الحضارة
على ضفتي نهرين قيل انهما ينحدران من الجنة
كنا مغفلين
فقد تبين ان الفرات بعثي شوفيني
ودجلة ارهابية تنتمي الى تنظيم القاعدة
نبرأ اليك ايها الرب من ذنوبنا السابقة
حين اعتقدنا ان العراق هو الابن الشرعي
لهذين النهرين الخارجين على الاعراف الدولية!
لقد تبين لنا
ان العراق مجرد حلم
توهمه سومري مضطرب عاطفيا!
واستمرت السخرية المنفعلة التي تضمر الكثير من الحنق على وضع قديم، واخر حديث يقابله، يحاول أن يغايره الا انه يقع في مطبات ليست محسوبة.. تتصاعد هذه السخرية، وهذا الحنق في قصيدة (البرلمان العراق)، حيث كانت صور ساخرة كاريكاتيرية مضحكة احيانا، عبرت عن رفض الشاعر، حيث يقول :
(حسنا فعلتم حين علقتم الجلسة الى اجل غير مسمى
لماذا العجلة
البطيخ في ارشيف الوزارة
والطماطم على الانترنيت
والرز في البلاك بيري
والسمك اليابس يستورد من دول الجوار
والمعاملات تنجز بالتيكست مسيجز
لماذا العجلة حقا؟!
يستطيع العراقيون انتظاركم
فهم على اية حال
قاعدون هناك الى الابد
بانتظار مجيء السيد مدري ياهو)
ويظل الانسان في العراق ينتظر السيد “مدري ياهو” في رؤية الشاعر فضل جبر، قد يمثل المنقذ لحالاتهم المأساوية، وفي قصيدة (بوليتكس) تحتشد الصراعات في تصريحات علنية للعودة من دار الغربة الى الوطن، الا ان هناك الاف الموانع، يُصاب من خلالها الشاعر بدوار التردد وعدم اتخاذ القرار النهائي، ومن هذه الموانع (حكاية الحاج شسمة العراقي)، (فكلنا مدري شيسمونه في النهاية) وحاول اشراك اسماء ادبية معروفة في قصيدة (كههي بههي) ليعمق روح الرفض بين المزاج الحاد “النرفزة” و”الفرفحة”وبهامش قصيدة (7000 بههيهات)، يقول ان العراقي حينما يكون مضطرب المزاج يقول: “بههي كههي”، ورغم هذه السخرية المرّة من وضع ما بعد الدكتاتورية، الا ان الشاعر يرفض العودة الى الوراء بقوله :
(لوعادت عجلة الزمن الى الوراء
لأوقفتها بكل ما أوتيت من قوة
لا أريد للزمن ان يعود الى الوراء
مطلقا!
لا أريده أن يفعل ذلك
لأنه لو فعل
لما عدت تلك الجمرة المشتعلة)
وعمق الشاعر مرفوضاته بسخرية في قصيدة (ولية غمان) على لسان ام عامر، التي انتقدت الحال بلغتها البسيطة في فضائية الفيحاء وكان انتظار الشاعر (للسيد مدري ياهو)، شكلت مشكلة سياسية واجتماعية واقتصادية، اصبحت كالعصا في عجلة التقدم، (فالسيد مدري ياهو سمكة شبوط زلقة/ ثعلب ماكر كثير الزوغان/ غزال سريع الجري/له أذرع أخطبوط/وسبع أرواح/ وسبعة وسبعون وجها/كلنا شاهدناه يسرق الكحل من العين/ والحلم من النائم/ واللقمة من فم الجائع!)، وظل “مدري ياهو” يتناسل في اروقة الحكومة ومفاصل الدولة، وهذا رفض مضمر كنى به الشاعر بالسيد مدري ياهو! ، وما اكتنف الصفحات من الفراغات “الكلام المسكوت عنه”يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد : (يتمخض تمظهر الثقافي وهيمنته عن تصاعد ما، يتمثل في قوة ضغطه على المحيط الذي يشتغل فيه، يدعوه ـ فوكو ـ بـ”السلطة الثقافية” وهي تتوغل في البنى وتؤثر في نماذجها وتبلور في قضاياها، ذلك “ان هذه السلطة ليست مجرد تشكل للعلاقات الاجتماعية من خلال عملية ديناميكية داخل المنتج الثقافي، ولكنها أساس منطقي شمولي في عملية التصوير الجمالي لأشكال هذه السلطة في الخطاب الثقافي التي لاتظهر الا بالاستقراء” على النحو الذي ينفتح فيه الخطاب الثقافي على مجمل الخطابات المجاورة والمحايثة ـ تأثيرا وتأثرا ـ ، ولاسيما الخطاب الادبي في منظوره الجمالي والتعبيري. الا ان هذا الخطاب الادبي لا يتحدد بجمالية بنيوية خالصة مسجونة في اطار التشكيل اللغوي اللساني والبلاغي حصرا، بل يتأسس على جمالية تكوينية تقارب فضاء العالم وتُدخل عنصر الجمالية في اعادة تشكيله وتأهيله للاستقبال والتفاعل، على النحو الذي يتحول الى مستوى تداولي.)ص155ـ156 ، وهكذا كان مشغل الشاعر فضل خلف جبر في ديوانه (مدري ياهو).
مصادر البحث :
1 ـ كتاب (النقد الثقافي : من النص الادبي الى الخطاب الثقافي) الدكتور سمير الخليلي /دار الجواهري ـ بغداد ـ شارع المتنبي الطبعة الاولى 2012م ص79ـ80
2 ـ كتاب (الفضاء التشكيلي لقصيدة النثر) أ.د.محمد صابر عبيد /نقد5 دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ط1 2010م الصفحات 83 و113 و155 و156
3 ـ ديوان (مدري ياهو : تباريح مابعد وقوع الفأس بالرأس) للشاعر فضل خلف جبر /مؤسسة شرق غرب ـ ديوان المسار للنشر الطبعة الاولى 2013م .









