محمد الحمامصي
قراءتي الشاملة لمعظم ما كُتب من أدب السجون في العراق هي التي دفعتني للتخصص في هذا المضمار المضني وتحليله والكتابة عنه . قدم الروائي والناقد العراقي عدنان حسين أحمد في الفترة الأخيرة كتابين هامين، كونهما يشكلان مشهدا بانوراميا للرواية العراقية وما يشغلها من قضايا ورؤى إنسانية، أولهما “الرواية العراقية المغتربة” تناول فيه 30 رواية لـ 16 روائيا من مختلف الأجيال الروائية العراقية في الغربة، والثاني “أدب السجون خلال سنوات الحكم الدكتاتوري في العراق 1963 ـ 2003” الذي لا يكتفي فيه بمجرد القراءة النقدية لأعمال روائيين عراقيين وعرب عاشوا في العراق بل يقدم رؤية تاريخية لهذا الأدب ومعالجاته الإبداعية.وفي هذا الحوار مع الكاتب ناقشناه في رؤيته وما قدمه من قراءات في الكتابين.بداية يرى أن كتابه “الرواية العراقية المغتربة” يعكس جانباً من النسيج العراقي بفسيفسائه المتعددة، وهؤلاء الروائيون جميعاً يكتبون عن العراق بالطريقة التي يجدونها مناسبة. وعلى الرغم من تعدد الثيمات والرؤى والمقتربات الفكرية لكل واحد منهم على انفراد إلاّ أن هذا الوطن يلمّهم جميعاً في حضنه الدافئ الذي لا يفرّق بين عربي وكردي، مسلم أو مسيحي، صابئي أو إيزيدي، آشوري أو كلداني، تركماني أو سرياني، عراقي من أصول إيرانية أو من أصول أرمينية أو هندية أو أفغانية وهلّم جرا. فبغداد، عاصمة الرشيد، كانت حاضرة عالمية ظلت تسطع في قلب التاريخ على مدى خمسة قرون ونيّف فلا غرابة أن يستوطنها الناس من أعراق وديانات ومذاهب شتى، وهذا التنوع هو الذي انعكس على كتابي النقدي “الرواية العراقية المغتربة” الذي ضمّ هذه الباقة المنوّعة من الروائيين العراقيين الذين استدار بعضهم إلى العراق متكئاً على ثيماته الداخلية، فيما زاوج البعض الآخر بين الثيمتين العراقية والأوروبية ومع ذلك فإن لكل رواية نكهتها الخاصة وعالمها المميز الذي تدور بين جنباته.ويؤكد عدنان حسين أن من يتأمل الرواية العراقية المغتربة بشكل عميق سيجد أن هناك بعض الفروق الجوهرية الناجمة عن البيئة الجديدة لها، فهذا المحيط الجديد يختلف بالضرورة عن المحيط العراقي المؤطر باشتراطات محددة. وأنا أتحدث هنا عن الروايات العراقية المغتربة التي تجمع بين الثيمات المحلية للبلدان الأوروبية التي تُكتب فيها وبين الثيمات التي تنتمي للعراق، وكذلك الشخصيات المشتركة الأوروبية والعراقية مثل رواية “تحت سماء كوبنهاغن” لحوراء النداوي، أو “منازل الوحشة” لدُنى غالي، أو “طشّاري” لأنعام كجه جي، ويمكن أن أشير إلى رواية “وأقبلَ الخريف مبكراً هذا العام” للدكتور قصي الشيخ عسكر التي تكاد تكون كل شخصياتها دنماركية باستثناء الراوي وشخصية عبدالله اللوريني التي يستعيدها الراوي مرات عديدة على مدار النص. لا بد من التنويه إلى أن هامش الحرية كان ضيقاً في العراق قبل بداية الألفية الثالثة قياساً بأوروبا وأميركا وبقية بلدان العالم المتحضرة، لكن جانباً من هذه الحرية قد تحقق بعد العام 2003 وصار بإمكان الكاتب العراقي أن يكتب ما يشاء غير أن هذا لا يعني أن الحكومات العراقية التي جاءت بعد الاحتلال راضية عن هذا الهامش الكبير من الحرية، فهي مجبرة عليه كي يتلاءم مع طروحاتهم الجديدة في الديمقراطية، والحريات العامة والخاصة، والحكم الرشيد وما إلى ذلك، فهم في حقيقة الأمر غير ديمقراطيين ولا يؤمنون بالحريات الخاصة والعامة، ويتخبطون في حكمهم الطائفي الأرعن كما ترون وقد حولوا بعض مدن العراق إلى بؤر متوترة كي يظلوا متشبثين بسُدة الحكم إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.ويلفت عدنان حسين أحمد إلى أن اهتماماته لا تقتصر على الرواية العراقية المغتربة وإنما تمتد إلى أكثر من جنس أدبي ربما تكون القصة القصيرة والرواية في مقدمتها “لأنني معني بالنثر ومهتم به أكثر من اهتمامي بالشعر”. ويضيف “أنني معني بالثقافة البصرية التي تتوزع بين السينما والمسرح والفن التشكيلي والفونوغراف وقد صدرت لي بعض الكتب في هذا الصدد من بينها “أطياف التعبيرية. غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية”. كما اضطرتني الأوضاع المزرية في العراق أن أكتب في الشأن السياسي، ليس حُباً بالسياسة وإنما استجابة للواجب الوطني الذي يجبرني على أن أضع النقاط على الحروف وأعرّي الساسة اللصوص والفاشلين والطائفيين. لا شك في أن هذا التشتت يفقدني التركيز على تجربتي النقدية ولكنني أعمل ببسالة الفارس، وروح العامل المنقطع إلى مشغله، والمُحب الذي لا يرى في العالم غير وجه حبيبته التي يختزل فيها كل النساء”.









