ــ الجزء الأول ــ
داود سلمان الشويلي
((ان مفهوم النقد ليس المفهوم السابق ” تقييم وتقويم “، ولا هو بالانطباعي ، أو أي شيء اخر، بل هو ” فحص للنص “)). – الشويلي – النقد والكتابة الإبداعية شعر أو رواية او قصة …الخ ، كل يشتغل في مداره ، فالنقد هو فعالية ونشاط عقلي ، فيما بقية الكتابات الإبداعية فعالية ونشاط وجداني. في النقد يلعب العقل دورا أساسيا وفعالا ، على الرغم من محاولة الوجدان او العاطفة (القلبية ) الدخول في الفعالية ، الا ان النقد و الناقد لا يترك المجال لهما لتلعبا دورا في تلك الفعالية. في الكتابة الإبداعية – كالشعر ، والقصة ، والرواية – يكون الوجدان حاضرا فيها ، وله الدور الأساس في انجاز الكتابة تلك. هناك نوعان للكتابة عن المنجز الإبداعي ، أو ظيفتان ، او ممارستان ، أحداهن التعريف بالمنجز الإبداعي والتي تتكفل به ما نكتبه من تغطية صحفية عن النتاج الإبداعي ،غايتها التعريف بهذا المنجز ، وهذا لا يمكن أن نطلق عليه اسم نقد ، اما الوظيفة والممارسة الثانية فهو النقد التحليلي ، اي الفعل التحليلي للمنجز الإبداعي، وهو جوهر الممارسة النقدية ، والتي يكون للعقل دورا فيها ، ويقف مراقبا لها خشية أن يدخل الوجدان في العمل .وقد مارست الاثنين معا. في العام الدراسي 1967 – 1968 ، وفي الصف الثالث المتوسط من إعدادية الناصرية التي كانت بنايتها في الإعدادية المطورة قرب المديرية العامة للتربية، طلب منا مدرس اللغة العربية الأستاذ الفاضل سعد الحران ، ان نكتب – في دفتر مدرسي – مواضيع مختارة من الأدب نسميه ( المختارات الأدبية) يضم الشعر والقصة والنقد ومواضيع ذات علاقة ،اثناء عطلة نصف السنة ، ونسلمه له بعد العطلة . قمت باختيار مواضيع أدبية حسب ذائقة طالب في الصف الثالث المتوسط ،وقد ضم دفتر المختارات هذا المواضيع التالية : – محمود احمد السيد والمسرحية . – قصيدة الزهرة السوداء – نازك الملائكة . – معنى الجمال في الحياة والفن – عباس محمود العقاد . – بشارة والهجاء – عباس محمود العقاد. – قصيدة للشاعر المتنبي. – صحراء الربع الخالي – قصة – سالم الزيدي.( من مجلة القصة – ج1 – إسرة القصة في بعقوبة ). – قصيدة حبلى – نزار قباني . – صورة مرسومة بالحبر بقلمي للكاتب جبران خليل جبران . – مات أهلي – جبران خليل جبران . – عنترة بن شداد – حياته وشعره . – رباعيات الخيام – من كتاب رباعيات الخيام – كاتب مجهول. – تقسيم الأدب العربي – من كتاب ” عصور الأدب العربي “لمحمد كاظم الكفائي. – الإمام علي ونهجه – المصدر السابق. – الجمال – جبران خليل جبران . – فلسفة الخيام – من كتاب رباعيات الخيام – كاتب مجهول . – تاريخ الأمثال : ” الحرب خدعة “، و” تسمع بالمعيدي خير من ان تراه”. – النقد الأدبي ، وضم نقدا لرباعيات الخيام ، و جاء فيه : (( اذا قرأت كتاب ” رباعيات الخيام ” لم تجد لك منفذا للخروج من ما تنشده … لقد كانت رباعيات الخيام والتي اخترت منها هذه الأبيات جميلة ومعبرة عن مشاعر ذلك الشاعر الخيالي ، الشاعر الذي جلس وسميره ” الخمر ” في غرفة واحدة … لقد كانت تلك الرباعيات جميلة وتقع في نفس القارئ الموقع المؤثر ومن يطالعها يجد نفسه لا تقدر ان تفر من متابعتها … بل يأخذ القارئ يتابع ويتابع باللامبالاة حتى يجد نفسه قد قرأ غلافها … الخ)). هذا بعض ما كتبته من ” نقد ” لرباعيات الخيام ،وهو في مستوى طالب متوسطة ، ولكن الأستاذ الفاضل سعد الحران ناقشني في قصيدة ” حبلى ” لنزار قباني داخل الصف وامام الطلاب، اذ كان رافضا لموضوعها ، فكتب ملاحظته في دفتر مختاراتي ” المختار غير موفق ” لهذا ناقشني عن سبب اختياري لها ، وقد طالت المناقشة أكثر من نصف ساعة ،وكان هو ينطلق من مبدأ أخلاقي – تعليمي، فيما كان اختياري لها ينطلق من مبدأ أدبي / فني، ثم اجتماعي ، وهي تعد من الأمور التي تحدث في أي مجتمع ، وظل الأستاذ مصرا على موقفه وانا كذلك ، مما قلل من درجتي ، إلا أنني كنت الأعلى في شعبتي ، وفي الشعبة الأخرى. من خلال هذه المختارات بدأ عندي النظر النقدي ينمو شيئا فشيئا ، ان كان ذلك في قراءاتي ، او اختياراتي لما اقرأه من كتب، حتى إذا كان العام 1971 نشرت كتاباتي النقدية عن الشعر العامي ، ثم عن القصة القصيرة والرواية ، وتقديم الكتب ، تلك العملية التي لا تخلو من وجهة نظر نقدية عن الكتاب ، ونشرت ذلك في صحيفة الراصد الأسبوعية ، وفي صحيفة الثورة ، وفي صحيفة الجمهورية ، وفي صحيفة العراق ، وفي صحيفة بابل ،وفي مجلة الثقافة الشهرية ، وفي مجلة التراث الشعبي ، وفي مجلة آفاق ، وفي مجلة الموقف الأدبي ، وفي مجلة الطليعة، وفي مجلة الهدف الفلسطينية ، وفي مجلة الطليعة. إن مفهوم النقد عندي ليس المفهوم السابق ” تقييم وتقويم “، ولا هو بالانطباعي ، بل هو ” فحص للنص ” او ( تمارين في القراءة ) كما أسميته، فحص من حيث شكل النص ومحتواه ، فحص هذين المكونين هو ما يهمني في النقد ، المحتوى الذي افحصه هو مدى تطابقه والشكل الذي يحمله، لا الجانب الأخلاقي او الاجتماعي أو أي مستوى آخر .









