ثقافية

الجواهري والشيوعيون: مواقف وقصائد

رواء الجصاني

 

بقي الجواهري الكبير – كما هو بيّنٌ للجميع على ما نرى – وعلى مدى عقود وعقود يمجد التضحيات والمضحين، موثقاً الأحداث، ومؤرخاً الخالدين، بل ومتباهياً بشركة الانتماء… وعلى ذلك المسار جاءت العشرات من قصائده ومن أبرزها آمنت بالحسين، وقلبي لكردستان، وفي ذكرى رحيل جمال عبد الناصر… أما عن الشيوعيين فيطول الحديث ويعرض، ويتشعب، عنهم وعن مجمل نضالات الحركة الوطنية العراقية وعلاقاته مع قياداتها الرئيسة بشكل خاص… وقد يمتد الاطار الزمني لهذه الحال، لمن يريد التوثيق والتأرخة، لقرابة سبعة عقود، وأزيد، ومنذ أواسط ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى تسعينياته بشكل محدد… ولكن، ولكي لا يبقى الأمر هنا فضفاضاً، والحديث عاماً، دعونا نتوقف عند قصيدتين اثنتين لا غير، فيهما الكثير والعديد من المؤشرات ذات الصلة، عن علاقة ومواقف الجواهري من الشيوعيين، وهم الفصيل الأقدم في الحركة الوطنية – على أبسط وصف، والذي تصدى واستمر، ومنذ أواسط ثلاثينيات القرن المنصرم، مقارعاً بحزم ومثابرة، العسف والطغيان والظلامية في البلاد… ونعني بتينك القصيدتين رائية الجواهري العصماء عام 1951 والموسومة “في مؤتمر المحامين”، وفريدته المعنونة “سلاماً .. إلى أطياف الشهداء الخالدين”، التي نظمها بعيد الانقلاب الدموي الأسود عام 1963…

 ففي القصيدة الأولى التي تزيد أبياتها على مئتين وعشرينَ، يمجد الجواهري في مقاطع عديدة منها، نضالات الحركة الوطنية، وشهداءها من شيوعيين وثوريين وغيرهم… وقد جاء مطلعها باهراً كما هي العادة ليقول:

 

    سلامٌ على حاقـد ٍ ثائر ِ 

على لاحب ٍ من دم ٍ سائر 

    يخب ويعلم ان الطريق

لابـد مفـض ٍ إلى آخــر 

    كأن بقايا دم السابقين 

مـاض ٍ يمهد للحاضـر

 

ثم يعود الشاعر الكبير في المقطع التالي مباشرة للتصريح بدل التلميح، وبصوت جهوري، واصفاً بهيبة وإجلال أولئك المناضلين المضحين من أجل الحياة الحرة الكريمة، والمستقبل المشرق… وقد رأى العديد من المتابعين أن أعدام القيادة الشيوعية – الوطنية الأولى (فهد، صارم، حازم) في شباط 1949، كان له أكثر من تأثير على الجواهري لنظم هذه العصماء، خاصة وأنه قد توقف في جزئي مذكراته على تلك الواقعة الكبيرة، وعند علاقته مع مؤسس الحزب الشيوعي (يوسف سلمان يوسف – فهد) في الأربعينيات الماضية:

 

    سلامٌ على جاعلين الحتوف 

جسـراً إلى الموكـب العابـر 

    على ناكرين كرام النفوس 

يذوبون في المجمع الصاهر

    سلامٌ على مثقـل بالحديد 

ويشـمخ كالقائـد الظافر

   كأن القيود على معصميــه 

مصـابيح مستقبل زاهـر

    تعاليت من قـدوة تقتــدى 

  ومن مثـل ٍ منجح ٍ سـائر

    سمير الأذى والظلام الرهيب 

خلا الحيّ بعدك من سامر

 

  وإن كانت تلكم الأبيات تؤشر، ولم تحدد، فان “سيمفونية” الشاعر الأخلد، الثانية، موضع هذه المساهمة التوثيقية، جاءت بأكثر من اسم وكنية ولقب، لعديد من شهداء الحزب الشيوعي، وقياداته الذين نال منهم فاشيو العهد البعثي الأول، في الثامن من شباط 1963… ومنذ بدايتها يعبّر الجواهري عن عمق مشاعره لشموخ أولئك الأبطال قائلاً:

 

سلاماً وفي يقظـتـي والمنـام 

وفي كـل سـاع ٍ وفي كـل عام

تهادي طيوف الهداة الضمام 

تطـايـح هاماً على اثر هام سلاماً وما انفك وقد الضرام

من الدم يشخص حياً أمامي

 

ثم يستمر الرمز العراقي الأبرز مستذكراً، وموثقاً لكثير من الأحداث، بالصور تارةً، والايحاء مرات أخرى، مفسراً ومؤرخاً بشكل مباشر للوقائع، وممجداً الواهبين حياتهم للشعب والوطن والقيم والمبادئ العظيمة… خاصة وان له – كما يؤكد العارفون – علاقات حميمية ووطيدة مع العديد من أولئك الشهداء البواسل:

 

سلاماً مصابيح تلك الفلاة 

وجمـرة رملتها المصطــلاةْ

سلاماً على الفكرة المجتلاة 

على صفـوة الزمـر المبتــلاةْ

ولاة النضال ، حتوف الولاة 

سـلامـاً على المؤمنين الغـلاة

سلاماً على صامد ٍ لا يطالُ

تعلّم كـيف تمـوت الرجــال

سلاماً وما أنا راع ٍ ذمامـاً

إذا لم اســلم عليكم لمامــا

سلاماً ضريحٌ يشيع السلاما 

                     يعانق فيه “جمال””سلاما”(1) 

سلاماً ، أحبة شعب نيامى 

إلى يـوم يؤذن شــعب قياما

حماة الحمى والليالي تعودُ 

وخلف الشــتاء ربيع جديـدُ

سيورق غصنٌ ويخضر عودُ 

ويستنهض الجيل منكم عميد

سـيقدمه “رائدٌ” إذ يـرود

 ويخلف فيها اباه “سعيدُ” (2)

و”سافرة” ستربِّ النسورا 

 توفي أبا “العيس” فيهم نذورا (3)

 

   ثم تتابع أبيات القصيدة التي يتلاحم فيها – كما توحي، بل وتبين معانيها – الخاص مع العام في مواقف الجواهري من الشيوعيين، وعلاقاته بقياداتهم، طوال عقود، كان الجانبان خلالها حريصين – كل الحرص – على ادامتها وتعميقها، برغم “عتاب” و”دلال” هنا، وحتى “زعل” هناك، أحياناً… وحول ذلك تفاصيل عديدة، عسى أن نتحدث عنها ذات يوم قريب.

 

هوامش واحالات: 

(1) “جمال” – “سلاما” : الشهيدان الخالدان : جمال الحيدري وسلام عادل

(2) “رائد” – “سعيد” : نجلا الشهيدين الخالدين: عبد الرحيم شريف وعبد الجبار وهبي

(3) “سافرة” – “ابو العيس” : سافرة جميل حافظ، زوجة الشهيد الخالد محمد حسين ابو العيس

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان