ثقافية

المكان الرئيسي في رواية “كؤوس السنين” لحسن عبد الرزاق

  لا يمتلك النقد السردي صرامة في تحديد مفهوم المكان، بل يجعله سيالا، فعلى الرغم من تقديره أن المكان بوصفه عنصرا سرديا، يدل على الرقع الجغرافية في النص الإبداعي، لكن طبيعة التوظيف له، وطبيعة تمازجه مع الجانب النفسي للروائي، والسارد، والبطل، والمتلقي يجعلك توقن أن المكان هو العمل الإبداعي برمته، فلا قص، ولا رواية سيستقيمان، أو ينوجدان، فهو ذاكرة مليئة بالأبعاد الجغرافية، والنفسية، والقصدية، والتكوين، لها صلة بالشخصيات السردية، وبالأحداث، معتمدة على طريقة الصياغة اللغوية، والوصف، والتقرير، فقد يكون المكان مجازيا، وقد يكون حقيقيا، وبحسب الدور المنوط به من لدن الروائي.

   سأقف في هذا المقال على عدد من أنواع الأمكنة في رواية كؤوس الشياطين، مع الاقتراب من دلالاتها، وسماتها، وارتباطها بالشخصيات، والأحداث، مراعيا أن الرواية هذه هي تجليات مكان، وذاكرة فرد في مدينة، يتضمن موضوعها خطين متوازيين، يحملان بعدين سيميائيين عظيمين، غير قابلين للزوال، والانقضاء، وإنما فعَّالان على مدى الحياة، هكذا يريد أن يجلد السلطة في الخط الأول من روايته، لوجود تحقيق، ومصداق لهذا التصور على مستوى تاريخ العراق الحديث بدءا من سنة 1958 وهو زمن الرواية وصولا إلى الوقت الراهن 2015، والاعتماد على تحول الشخصيات الحاكمة للعراق الجديد، تحولا شكليا، والإبقاء على كنهها السارق، واللائط، والخمار، والمتحزب، والمخادع، والقاتل. ليصل إلى الخط الثاني من الرواية، وهي تأخر الهامش، وعيشه بمأساة، وعوز اقتصادي، وإقصاء، وتدمير، وتحطيم. ضمن زمن الرواية المحدد، ولوضوح صورة هذين الخطين في الذاكرة العراقية عند الروائي، وعند المتلقي، لجأ حسن عبد الرزاق إلى طريقة انتقاء الأزمنة، وتقسيم روايته على فصول، جعل لها عنوانات تاريخية، نحو: 1958، 1961، 1694، وهكذا وصولا إلى 2015م، حتى يتولد سؤال في داخلي: لماذا جعل زمن الرواية غير موحد، بل جعله متعددا غير متواصل؟ يبدو أنه اختار الذاكرة الملحمية للفرد العراقي ضمن المجريات الأبرز في العراق، والأكثر أكشنا، فيما يخص السلطة، وتضييعها للفرد العراقي، فضلا عن ترجيحه لسمة الاختصار في روايته، التي حوى إطارها العام ذاكرة ماض، فقد اهتم السارد العليم باسترجاع المدينة القديمة (الناصرية)، وعرج على ذاكرة السياسة، والمجتمع في أزمنة الرواية ولاسيما عام 1958م، وغيرها، فأعطانا صورة دقيقة عن أحيائها، وساكنيها، وأسواقها مع تغييب واضح للشخصيات المباشرة، وتقليل لها ولا سيما في 1958م.

   أقصد بالمكان الرئيس: المكان الكلي في الرواية، وهو الناصرية بأزقتها القديمة، وشوارعها الكثة، ومهنها البسيطة، واضطرابها الحزبي، والسياسي، وبيان المعتركات، والمفرقعات التي تقوم بها السلطة لتدمير ذلك المكان، عبر أذرعها، ومنهم النقيب سامي، الذي يختلس شرفَ قريبهِ جبار، ويراود زوجته فضة، التي جاءت من مضارب الغجر، ولكنها أعلنت الحب لجبار، والتوبة، بحثا عن النعيم، والاستقرار، ومغادرة حياة الغجر الذين أسكنهم الروائي بمسافة 90 كيلو متر عن الناصرية، ليمزج غيرته على الناصرية بغيرة الشعب الناصري على النساء، إذا جاءهن مكروه، فلم تمنع خرائبية البيوت، وهندستها المتشظية أن يحمي الجيران وجود فضة من عبث النقيب سامي حينما يراودها بعد ذهاب زوجها إلى العاصمة، أو حينما يضايقها بطل الرواية عظيم عبد الكريم، الذي يبحث عنها، بعد أن وقع بهيامها، وحبها، وأدام البحث عنها، وضحى بحياته، فقدم من بغداد، وترك نعيم عيشه مع والده التاجر، وأمه زكية اليهودية، التي حبت عبد الكريم متعب، وأنجبت منه عظيما، الذي حدث تحول في شخصيته من صعلوك، وهامشي إلى مسؤول في الدولة العراقية الحديثة بعد سقوط حكومة البعث، فصار مركزا، ولكنه لا يرغب في إقصاء الهامش.

   ثمة قصد واضح في اختياره لهذا المكان، إذ يرغب بإيقاد العيش عبر الأمل، والإيمان بالتضحية، والقبول بالأمكنة على صورتها المتهرئة، مقابل احترام الحب، وتحقيقه عند البطل عظيم عبد الكريم، الذي يقاوم السلطة، ويقاوم القبح عبر العمل، والكسب بوصفهما مسارين يسهمان في صناعة الإنسان، ومقاومة شظف الحياة، عبر التنقل من مهنة إلى أخرى ((استبدلت الفترينة الثابتة بعربة متحركة أبعدتني عن مجاورة جدار الشرطة، وأصبحت بائع كبة تصنعها لي زوجة رجل أصله من مدينة الموصل)) [كؤوس السنين، حسن عبد الرزاق: 55].

   يريد الروائي، وتقنياته السردية أن يقرروا عبارة واحدة عبر اختيار الناصرية مكانا رئيسا في هذه الرواية، العبارة هي: الناصرية مملكة الألم، أي الألم الذي تحدثه السياسة، ويحدثه المجتمع الإقصائي، والعنيف، الذي يؤمن بأن خيانة النفس، وخيانة الصداقة هي الباب الذي يدخل منه الرؤوساء، والزعماء للهيمنة على الشعب، فجاءت روايته على أنها رواية تاريخية، كتبت بكفاية لغوية دالة عند الروائي، أرفع من اللغة العادية، ولكنها غير مبالغ في كتابتها الرمزية، والجمالية؛ لكونها تختصر تاريخ العراق السياسي الحديث؛ ليبين المكان الرئيسُ قيمةَ الكدح عند الفرد العراقي الحديث، وتوضيح تخاذل الشعب، وخواء السلطة، التي تنظر إلى تقاتل أبناء الشعب، من دون ردع، أو معالجة، في واحد من أمكنة الناصرية، وهو السوق القديم، حيث حدثت مشاجرات ببن بعض الشبان، في سنة 1966م، وتطور الشجار أمام مرأى الشرطة، ((من مكان اختبائي، وهما يمران بجانب سيارة النجدة شاهدت شابا ضخما لم أتبين ملامحه، يلاحق شابا آخر شبيها له بالضخامة، سكينة مرفوعة بيده، ولسانه البغدادي يطلق توعدات الذبح، فيما كانت الدماء الغزيرة تسيل منه، وتصبغ وجهه بلونها، والشرطة ينظرون من نوافذ السيارة بحيادية وكأنهم ينظرون إلى مشهد سينمائي ليس إلا)). [كؤوس السنين: 80- 81].

   رسم الروائي خرائط الناصرية، وأبنيتها في روايته على وفق معيار الشكل المتهرئ، فأورد أمكنة غير راقية، ومنها الخرائب، والبيوت القديمة، والشوارع المتعثرة، والفندق البائس (فندق الشناشيل)، ومقرات الأحزاب ذات الطراز القديم؛ ويحمل ذلك الاستحضار قصدية الدمار المستمر في مدينة الناصرية، وقصدية التأثير الثقافي على طابع المدينة في زمن الرواية، ولاسيما مدة الخمسينيات، والستينيات، والثمانينيات، إذ تكون بعض النهضات العمرانية فردية، ومن ذوات الأهالي دون ذات الدولة، ثم تأكيد إهمال السلطة حينما فضلت الدولة العراقية رعاية الحرب العراقية- الإيرانية، وإهمال الجانب العمراني في المدينة، وكذلك التركيز على سرقات البلد بعد 2003م، وليس على الازدهار، إذ هنالك مشهد سردي في الرواية يقارن فيه عظيم عبد الكريم بين شوارع الناصرية قبل وبعد 2003، فيرى شارع الجمهورية أسوء من قبل: ((وجدت الشارع في وقتها كما وجدته في عام 1990، هرما متآكلا مغطى بتراب الفقر، لكنه لا يزال واقفا على قدميه، يقاوم الزمن، ويحلم بالتجديد)).  [كؤوس السنين: 148].

  ناهيك من تلك التوظيفات للمكان المتهرئ، والخرِب، يأتي توظيف مساند لها؛ ليحاول أن يصنع الانسجام بين الأمكنة الرديئة وهوية الشخصيات المتحولة من الرثاثة إلى الرتابة، ولاسيما شخصية جعفر سبنسر، وشخصية عظيم نفسه، وعازر اليهودي؛ لكونهم تحلوا بثقافة السلب، والحطام، وبقيت هذه الهُوية ترافقهم بعد سقوط النظام البعثي، وقيامهم بحكم العراق بعده، فكانت هذه الأمكنة الخربة هي التي صدرتهم، فيريد أن يقول إنها شخصيات قادمة من الحضيض، والمستنقعات؛ بسبب وجود علاقة جسيمة بين المكان والسمو الثقافي، ((ليكون تأريخ المكان على نحو ما تأريخا للإنسان بما يختزن من خبرة الزمان وعبرته، مثلما يكون سموه ووضاعته مدلولين بليغين لدال الإنسان في رفعته واندحاره)). [المكان العراقي جدل الكتابة والتجربة، لؤي حمزة عباس: 9].

   حوَّل المكان إلى معنى، يقبع في التراكيب، وصاغت تلك الأمكنة طوابع النقد السياسي، وولدت الأحداث السردية من قبيل بطش السلطة، وعبث الأفراد في أنفسهم، وفي مدنهم، وفي الغلمان التائهين بسبب السياسة، والإدارة السيئة، فضلا عن تصويره لحالة التأخر العمراني، والفقر الاقتصادي، وتفشي الأمية، وغير ذلك من السياقات التي أضيئت عبر المكان، ليفيد من روايته في وضع بعض النصائح السردية للمتلقي، بوصفها مثابات عيش، وعمل، وسلوك، ومنها أن مواجهة الأقوياء تحتاج إلى أسلحة قوية، ولا يتحدى الضعيفُ الكبير مالم تتوافر ظروفي الغلَبة، وعلى الإنسان أن يترك التشرد، ويؤمن بأهله، ومحيطه، ويجب أن يكون الهيام بالجسد الطاهر لا ببنات المضارب، وتجنب خطوة الخيانة الأولى؛ لأنها تؤدي بك إلى الثانية، والنصيحة السردية الأبرز أن بئر السياسة مالح إياك أن تشرب منه، ويصل به المطاف ليرشد المتلقي إلى صياغة الحياة بعد التعثر، وعدم التوقف، ثم التوجيه بأن الكتب، والقراءة مخلص للإنسان. [كؤوس السنين: 9، 17، 22، 24، 54، 98].

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان