فنون

 الخيال السردي.. بين جدلية المحاكاة والواقع الراهن

                        أسامة غانم

هل لا يزال للخيال دورٌ يلعبه في الثقافة المعاصرة؟ وهل باستطاعتنا أن نحافظ على فكرة خيالٍ خلاقٍ ومسؤول في آنٍ واحد في زمنٍ تزداد فيه التحديات التي تواجه ممارسة السرد من قبل تكنولوجيا المعلومات والمحاكاة؟ وهل سنكون قادرين على التمييز بين الصور الحقيقية والصور المزيفة؟ تستحق هذه التساؤلات تفكيراً فلسفياً. وأتفق مع الرأي القائل بأنها تستحق ذلك في إطار هرمينوطيقا نقدية تستند إلى وجهة نظرٍ مفادها أن الخطاب السردي يتضمن أحداً ما، يروي شيئاً ما، لأحدٍ ما، عن شيء ما”1.

وهنا، أمام هذه التساؤلات التي تجعلنا في وضع المحتاج دائماً لمصطلح بول ريكور الذي صاغه في كتابه “فرويد والفلسفة” 1965م، الذي هو “هرمينوطيقا الشك”، وقد استلهم ريكور هذا المنهج التأويلي النقدي من ثلاثة مفكرين وصفهم بأنهم “أسياد الشك”: ماركس (شك في الوعي كأيديولوجيا تعكس مصالح طبقية)، وفرويد (شك في الوعي كونه خاضعاً للاوعي والمكبوت)، ونيتشه (شك في القيم الأخلاقية عبر جينالوجيا الأخلاق)، وبما أن هذا المنهج يسعى إلى تجاوز المعنى الظاهري المباشر للنصوص بغية الكشف عن المعاني الباطنية، المخفية، المطمورة، عليه ستكون هنا السرديات غالباً ما تعمل بصفتها تمثيلاً للسلطة، مما يستدعي ضرورة مواجهتها بسردياتٍ مضادة لكشف وتعرية ميولها التعسفية، ومن ثم عكسها، أي الاشتغال على السرد والسرد المضاد. لأن هذه السرديات المضادة هي من تنبش التاريخ وتحاكم السلطة الحاكمة، المتنفذة، أو أية سلطة قامعة.

إن ما نحتاجه هو جدلية – تأويلية بين فكر نقدي وخيال خلاق، لإنتاج رؤية معمقة شاملة، تتدفق من خلالها الأشياء بكل شفافية ووضوح، رغم أن “التأكيد على الجانب التأويلي من قبل القارئ تجاه الرواية ما بعد الحداثية له معنى عظيم الأهمية ينبع من أن جعل الرواية عملاً متطلباً وعصياً بعض الشيء على الفهم المباشر إنما يعمل على رفض الخواتيم والنهايات المقفلة المبسطة للروايات الواقعية، الأمر الذي يتطلب جهداً أكبر من جانب القارئ الذي غدا يلعب دوراً أساسياً في تقرير الغايات التي تبتغيها الرواية ما بعد الحداثية”2.

أما من حيث الخيال السردي الذي هو إمكانية المؤلف على خلق عوالم، شخصيات، وأحداث من وحي خياله، حيث يُمزج الواقع بالخيال لإضفاء المتعة وتشكيل “متخيل سردي” قد يتوافق مع الواقع أو يتجاوزه.

لقد زعمت ليندا هاتشيون أن الأدب ما بعد الحداثي برمته يمكن وصفه بعلامات الاقتباس الساخرة، وأن الكثير منه يُمكن اعتباره تهكماً. وهذه المحاكاة الساخرة، إلى جانب المحاكاة الساخرة ومفهوم “اللعب” بشكل عام، تُعد من أبرز سمات ما بعد الحداثة. ورغم أن فكرة توظيف هذه العناصر في الأدب لم تبدأ مع ما بعد الحداثيين (إذ كان الحداثيون غالباً ما يتسمون باللعب والسخرية)، فقد أصبحت سمات أساسية في العديد من أعمال ما بعد الحداثة. عليه ادعى بودريار أن المجتمع الحالي قد استبدل كل الواقع والمعنى بالرموز والإشارات، وأصبحت التجربة الإنسانية هي محاكاة الواقع.

لقد أطلق الروائي عباس خلف تسمية غريبة بعض الشيء على روايته حيث أسماها “البصاصون”، مما يعني أن هنالك قصدية عميقة في تسميته للرواية حيث تشير للماضي / الحاضر. وفي اللغة، البصاصة هي العين التي تدقق النظر، والبصاص هو كثير التطلع والتجسس. أي هم الجواسيس، الوشاة، المخبرون الذين يتتبعون الأخبار وينقلونها، وهنا المهم في هذه الكلمة الاستخدام السياسي الذي يطلق على المخبرين أو الجواسيس الذين يكتبون تقارير على الناس، خاصة في سياق المراقبة وتلفيق الإشاعات. ولقد أطلقت في عهد المماليك تسمية “البصاص”، وهي كانت وظيفة معروفة في مصر المملوكية، تتوارثها معانٍ سلبية تعني الفتان أو الواشي، وفي الوقت الحالي تعني “الخباص”.

والملفت للنظر أن الروائي قام بالاشتغال في اللحظة ذاتها على الوقائع التاريخية والأحداث الحاضرة، لتشابهها الكبير، لذا دمج الماضي بالحاضر، فكان السرد متداخلاً، متنافذاً فيما بينهما، وأصبح كليهما يستمد “قوته من المشابهة مع الواقع أكثر مما يستمدها من أي حقيقة موضوعية، وكلاهما يتم التعرف عليه بوصفه تركيباً لغوياً، يخضع بقوة للمواضعات في شكله السردي، ويبدو كلاهما متناصاً بالمثل، ينشر نصوص الماضي ضمن نصانيته المعقدة”3:

“المؤلف، أخذ يحاكي هذه الفترة مما أشرت إلى بعض وقائعها وليس كل ما جرى في زمن التلصص والحرامية، وسراق قوت الفقراء، بل جزء منه استند عليه، مما أوردته أن الحكم بمجمله انتهازي ومرائي ومجافي للحقيقة، تصور حتى السلطان مرتشٍ، والأدهى من ذلك كان بعض الأمراء يستغل عواطف الناس الدينية ويضرب على هذا الوتر بغية شراء ذممهم – ص 9 الرواية”.

ومن أجل العمل على تركيز الفكرة وتعميق المعنى، ذهب الروائي عباس خلف إلى إطلاق كلمة “سِفر” على الفصول، وجعل الرواية تتكون من ثمانية أسفار، ولو علمنا أن السِفر “اسم بكسر السين” معناه الكتاب العظيم أو المجلد، أما لغوياً فيرتبط معنى “سِفر” بالظهور، والكشف، والوضوح. ووضع لكل سِفر عنواناً رئيسياً بالإضافة إلى عنوان ثانوي يشير إلى المحتوى السردي، وبعض الأسفار أرفق معها تاريخ الأعوام:

1- سِفر الرحلة: شلة المماليك.
2- سِفر التاريخ “ابن إياس”.
3- سِفر التجلي: ما يقطفه الحلم من النافذة.
4- سِفر التدوين: قنوط وترقب يشارفان أن يحكما قبضتهما. حسن الوزان 2005.
5- سِفر الحواشي: متى تصيح بي الأمنيات 2001.
6- سِفر الرمل: شلة الأصدقاء / تقدر وتضحك منك الأقدار 2007.
7- سِفر الهروب: كاسرة الوهم.
8- سِفر جنة عدن.

تبدأ الرواية بجملة إخبارية صادمة، عن شخص لا يثير الاهتمام ولا يلتفت إليه أحد نهائياً، كأنه غير متواجد في المكان الذي يكون فيه، اسمه “مشكور حمادي”، وهو الشخصية الرئيسة في العمل كله، يقول عن نفسه: “ربما أنا المنسي الوحيد الذي يرى كل شيء ولا يقوى على القول إلا لماماً، أقتصد بالكلام قدر الإمكان، بعض الأحيان أكتفي بالإيماءة، لي لسان وشفتان ولكن غير متحررين، وعليّ أن أبقى هكذا حتى يؤذن لي.. متى؟ لا أعلم.. ربما ما شاء الله.. وعليّ أن أحتمل – ص 5 الرواية”.

وهذه الشخصية، تذكرني بشخصية روائية قد قمت بالقراءة عنها، عندما كنت طالباً في المتوسطة، أعتقد في كتاب اللامنتمي لـ كولن ولسن، للروائي النمساوي روبرت موزيل “1880 – 1942”، واسم الرواية “رجل بلا صفات”، والبعض ترجمها “رجل بلا سمات” THE MAN WITHOUT QUALITIES، بطل الرواية يدعى أولريش، وهو في الـ 33 من عمره وأحداث وزمن الرواية في آب 1913، أي عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى. تراوده مشاعر وأحاسيس بأنه (ولد مع رغبته في أنه سيصبح رجلاً عظيماً)، إلا أنه يعجز عن تحقيق هذا الحلم، فيتخلى عن عمله، ويجلس في المقاهي يتأمل هذا الحلم. لكنه يصطدم بعصر التحولات، ويكتشف أولريش أنه غير قادر على اتخاذ موقف يخصه، فيكتفي بدور المُشاهد السلبي الذي يجلس في مقهى الحياة ويستغرق في التأمل، من دون أن يكون له موقفٌ أو سمات، ويسعى إلى أن يفهم نفسه بطريقة أخرى.

لذا حالما بدأت أكتب عن شخصية “مشكور حمادي”، ظهرت أمامي شخصية “أولريش”، رغم أن هنالك اختلافات عديدة بينهما، نعم، ولكن القاسم المشترك واحد بينهما: اللا انتماء، والشعور بالخواء، وعدم الاستطاعة في اتخاذ موقف مهما كان، التناقض الحاد في الأفعال. والاختلاف الجوهري عند “مشكور حمادي” هو أنه موظف في قصر ضخم بحيث “إن صاحب القصر هو شخص لا أحد يجرؤ على ذكر اسمه إطلاقاً – ص 23”، وغرفته تقبع في الطابق السفلي تحت السلالم. وحتى عندما يغيروا وظيفته يبقى في غرفته ذاتها ليحولها إلى وكر تجسس على الآخرين صورة وصوت، أي ليعيد “إنتاج هذه الغرفة التي تتجسس على جميع من يسكنوا في القصر، ما الذي دعاني إلى قبول هذه المهنة، وكيف سمحت لنفسي أن أقبل بها طوعاً لا مرغماً – ص 28 الرواية”. ومتصوراً أنه عندما يكتب على باب الغرفة “القلم السري” سوف تنطلي الخدعة على بقية موظفي القصر. ورغم امتعاضه من هذه الوظيفة، إلا أنه ينغمس فيها إلى حد القرف والاشمئزاز مما وصلت إليه إنسانيته إن كان هناك بقايا منها:

“تذكرت مسخ “كافكا” أهون، تحول إلى حشرة، بينما أنا بقيت إنساناً وعقلي هاجسه المتناقضات (الرفض والقبول والإنكار)، إني لم أكن مختلاً، وأنا أتجرأ على كل ما هو منافي لطبيعتي الساكنة والهادئة، كل التقارير التي أرفعها تقوم على مبادئ الخيانة، وأكثر الأشياء التي تفننت فيها أخرجت حقدي وجام غضبي بالتلفيق، لم أعد أستحي من نفسي، فكنت أكره من يقابلني وأضحك كذباً مع الآخرين – ص 85 الرواية”.

إن رواية “البصاصون” لا تكتفي بنقل الواقع أو تمثيله، بوصفها خطاباً سردياً، بل تعمل على إعادة تشكيله وفق رؤية جمالية فكرية، وتخريج التداخل الكبير الحاصل بين الأزمنة التاريخية من جهة، وبين الأزمنة والسرد الروائي، يكشف عن جدلية خصبة بينهما:

“نظرت في عيني ذلك المؤرخ الصبور ملياً وقلت على الفور، إنك عاصرت فترتين: العهد المملوكي والعصر العثماني، ماذا أضاف إليك “جمال الغيطاني” في روايته – الزيني بركات –؟ قال بلا تردد: إن معشر الكتاب لا سيطرة عليهم في تناول الموضوعات، لديهم خيال لا يتوقف، خصب، يفوق ما يحدث في الواقع، فالتاريخ الذي نعرفه غير ما يتبناه المؤلفون، فهم يرون ما يناسبهم لمحاكاة شخصياتهم – ص 8 الرواية”.

على القارئ أن يتمعن في هذه اللوحة الحوارية التي رسمها الروائي، ما بين الشخصية الرئيسة “مشكور حمادي” التي تعيش في بداية القرن الواحد والعشرين، وبين المؤرخ المصري “ابن إياس” المولود في القرن الخامس عشر، وهما جالسان في مقهى “الفيشاوي” بحي الأزهر الذي يرتاده الكثير من الأدباء والمثقفين المصريين والعرب، يدور بينهما حديث عن الروائي جمال الغيطاني وما الذي أضافه في روايته إلى ابن إياس، لوحة مرسومة بريشة الواقعية – السحرية، وليس ذلك فحسب، وعلى هذا المنوال حتى أولاده قد أسماهم بأسماء الشخصيات الروائية التي قرأ عنها، ولشدة انجذابه وإيمانه في التشابه الكبير في الإسقاطات التاريخية والواقع العراقي التي ضمنها في رواية “البصاصون” وهم: ابن إياس – حسن الوزان – أسوف. ابن إياس، خريج علم الحاسبات، بقي بعد التخرج يعمل في مكتبة إبراهيم الصلال “جنة عدن”، يمقت التاريخ ويشمئز منه، و”حسن الوزان” يعمل في صحيفة، يهتم بالفضائح لأن بدونها لا يستلم فلساً من محاسب الصحيفة – بالطبع للأخير لا نعرف اسم الصحيفة – وأسوف خريج أكاديمية الفنون الجميلة قسم النحت.

بينما في الوقائع التاريخية غير ذلك، ويتبين أن الروائي قد قام باختيار شخصياته الثلاث، بعناية فائقة، لأسباب تتعلق بتشابه ظروفهم الاجتماعية والسياسية والفكرية، وطروحاتهم الأيديولوجية. ابن إياس “1448 – 1523م”، هو أبو البركات زين الدين محمد بن أحمد، أبرز مؤرخي مصر في نهاية العصر المملوكي ومطلع العثماني. اشتهر بكتابه الموسوعي “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، الذي وثق فيه بدقة انهيار الدولة المملوكية ودخول العثمانيين مصر كمحتلين عام 1517م. امتاز تدوينه للوقائع التاريخية عن غيره من المؤرخين بالنزاهة والموضوعية وإثبات الحقيقة دون محاباة أو تحيز، لاستخلاص العبر من مجريات التاريخ، مع أنه كان يكتب تاريخ عصرٍ كان قومه من الشراكسة هم حكامه وسلاطينه، أي تاريخ عصر السلاطين الشراكسة في مصر وبلاد الشام. ومما ساعد المؤرخ الكبير ابن إياس على التفرغ لتدوين الحوادث التاريخية بموضوعية وحرية أنه كان يعتاش من إقطاع ممنوح له لكونه من أولاد الناس (أبناء الأمراء المماليك).

ففي رواية “الزيني بركات” (1974)، لم يكتفِ جمال الغيطاني بنقل التاريخ عن المؤرخ ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، بل قام بإعادة صياغته وتطويره ليحوله من مجرد وثيقة تاريخية إلى عمل إبداعي معاصر. وأبرز ما أضافه الغيطاني لتاريخ ابن إياس هو تحويل الشخصية من “خبر” إلى “نفسية”: بينما ذكر ابن إياس الزيني بركات كشخصية تاريخية موصوفة بالمكر والدهاء في الحسبة، غاص الغيطاني في عمق هذه الشخصية، محللاً دوافعها، ومصوراً صراعها الداخلي، وكيفية إدارتها لآلة القمع، مما منح الشخصية أبعاداً إنسانية ونفسية لم تكن موجودة في السرد التاريخي المجرد.

الحسن بن محمد الوزان الزيّاتي الفاسي والمشهور بليون الأفريقي أو يوحنا ليون الأفريقي أو يوحنا الأسد الأفريقي (1488م – 1554م). هو جغرافي ورحالة “وجاسوس”، اشتهر بتأليفه الجغرافي في عصر النهضة. يُرجّح البعض أنه ينتسب إلى قبيلة زناتة الأمازيغية، عاشت أسرته حقباً من الزمن في الأندلس، وولد هو بمدينة غرناطة قبيل سقوطها في يد الإسبانيين. يختلف المؤرخون في تحديد سنة ولادته، فيجعلها بعضهم عام 901 هـ / 1495م، وبعضهم عام 906 هـ / 1500م. وانتقل إلى المغرب للعيش بفاس، حيث تلقى تعليمه في الكتّاب ثم في القرويين، وتقلد وظائف سامية وهو لا يزال يافعاً، وأرسل في بعثات عديدة أيام الوطاسيين داخل المغرب وخارجه، وأصبح سفيراً لسلطانها محمد البرتقالي في سفارة مرّ بها على تمبكتو وممالك أفريقية أخرى، وقد زار كذلك مصر وإسطنبول في رحلاته، كما حج أثناء إقامته في غرب آسيا، ثم سقط في الأسر خلال توقف سفينته في جزيرة جربة، وعندما انتبهوا إلى مكانته وتعرفوا على شخصيته، اقتيد إلى روما كهدية للبابا ليون العاشر، الذي حمله على اعتناق المسيحية والبقاء لتدريس العربية في روما، التي كتب فيها مجموعة كتب في اللغة والأدب والجغرافيا، أشهرها كتاب «وصف أفريقيا»، الذي تُرجم إلى العربية ونشر في عام 1399 هـ / 1979م على يد د. عبد الرحمن حميدة. لم يُعلم هل مات في روما أم لا، وإن كان الغالب أنه قفل راجعاً إلى تونس ليعيش في دار الإسلام، دون أن يشتهر في الجانب الإسلامي كشهرته في الغرب.

وكتب الروائي اللبناني أمين معلوف رواية “ليون الإفريقي”، صدرت عام 1986م في باريس، ولقد اشتهرت هذه الشخصية من خلال رواية معلوف كالهشيم في النار، تسرد الرواية سيرة ذاتية تخييلية بلسان بطلها “حسن الوزان”. فمعلوف روائي متعدد الهويات والألسنة، اضطرته ظروف الحرب الأهلية اللبنانية إلى الاغتراب بفرنسا، وهو ما يطابق شخصيته مع ليون الإفريقي في بُعدي الهوية المتعددة / واغتراب المثقف.

هل من الممكن أن نعثر على خيط الارتباط ما بين الشخصيات الروائية الموجودة في النصوص الأدبية؟ وبين الشخصيات الروائية الموجودة في “البصاصون”، وبين النص التاريخي، باستثناء تشابه الأسماء؟

لنأخذ مثالاً على ذلك، عندما يذكره إبراهيم الصلال أمام أخيه إياس قائلاً له: “لا تجعل “حسن الوزان” يخطو في مسار التهور، وأنت أدرى ما سبب لنا من مضايقات لا ناقة لنا فيها ولا جمل حينما كتب مقالاته عن “ليون الإفريقي” واحتراق الكتب وموضوع البصاصين الذي حول فيه كل السلطات إلى عبارة عن “واشي ومرتشي” – ص 173 الرواية”.

أما شخصية “أسوف”، بطل رواية “نزيف الحجر” للروائي الليبي إبراهيم الكوني، نُشرت في الأصل عام 1990، وأعيد نشرها في يناير 2013م، دار النشر المصرية اللبنانية. تحكي الرواية قصة أسوف، وهو بدوي وحيد يحب الصحراء ويحترمها ويتعاطف مع مخلوقاتها. يعرف أسوف بالضبط المكان الذي يمكنه أن يجد فيه حيوان الأروية، وهو خروف بري معروف بلحومه، ويعيش في الصحراء الجبلية النائية في جنوب ليبيا. لكن يجد أسوف نفسه مهدداً، هو وحيوان الأروية مهددان من الصيادين الذين ذبحوا بالفعل أعداداً غفيرة من غزال دوركاس الصحراوي. تعكس الرواية هروب الإنسان من زيف المدينة إلى طهر الصحراء، وتناقش قضايا الهوية، الوجود، والاغتراب من خلال مزج الواقع بالخرافة والميثولوجيا.

يعثر على أسوف العراقي ميتاً “مغموراً في رمال الصحراء، وكان أبوه من قبل قد وجد مختنقاً فوق سريره في ردهة المصح. والأم التي افترستها الأمراض ولم تمهلها ساعة – ص 173 الرواية”. ولكنه كان مبتلى في لعب القمار “الروليت”، وشرب الخمر، والخيانة العميقة المؤلمة من قبل أولاد نرجس الذين كان يعتبرهم إخوة له، وخيانة لمى وخيانة التعبير له، هذا كله جعله يشعر بقوة بالقبح في نفسه، والإحباط، وأن القادم مجهول:

“أولاد “نرجس” الذين أحسبهم إخوتي في تلك الجلسات، كانوا يظنون أنني لست في كامل قواي العقلية عندما يقايضون القطع المعدنية الصغيرة وليرات الأميرات والحلي القديمة بالعملة الصعبة، ثم يدخلون في حسابهم أمامك مبلغاً زهيداً والباقي لا أدري كيف يتبخر، كان ذلك يحصل أمامي وأحاول أن أدفنه في أعماقي بالكتمان، كيف لا وهم أبناء من وهبتني الحياة، وكلما أشعر بأنكِ تستدرجيني لا أفرط بما أراه وأسمعه – ص 148 الرواية”.

وفي رواية “نزيف الحجر” يدفع “أسوف” الليبي ثمن الاختيار أن يعيش حراً طليقاً في الصحراء، كان الثمن حياته، وهذا كان الثمن الذي دفعه الوالد أيضاً، لأن لا معجزات في الصحراء. إذا وقعت في الفخ لن تخرج منه وحدك أبداً، وإذا لم يكن الأمر كذلك فتقبل مصيرك بطيب خاطر، مرفوع الرأس، فسوف تموت، تموت، الآن، أو بعد يوم أو أيام أو… ما أقسى الحياة! نعم، يصبح باستطاعته رؤية الموت وجهاً لوجه ومغادرة أبيه جسده تاركاً شر العالم:

“خيل إليه أن رائحة غريبة غزت أنفه فجأة. قفز قلبه، واستولى عليه الغثيان والصداع، ازدادت الصخور ارتفاعاً وحدة وسواداً، كلما اقترب من القمة، في صعودي الجنوني كان يتسلق بيديه ورجليه معاً. ازدادت رائحة العفن. وتحت القمة المشؤومة بالضبط، بجوار صخرة مستطيلة امتدت عبر السفح بضعة أذرع، وجد العجوز راقداً على ظهره، وجهه يتجه نحو السماء. لا أثر لنزيف، ولا بقعة دم، باستثناء خدوش في يديه الممدودتين بموازاة جسده. لقد كسر الحيوان المسكون رقبته، كما كسر هو يوماً رقبة ذلك الودان الذي انتحر”4.

إن ما بعد الحداثة تخلط عمداً فكرة كون مشكلة التاريخ هي التوثيق، بينما مشكلة المتخيل الصدق، إن كلا هذين الشكلين من أشكال السرد يشكل ما أطلق عليه البروفسور والروائي الأمريكي إي إل دوكتورو (1931 – 2015) “تأمل العالم من أجل تقديم المعنى”، فيقول:

“أحداث الماضي يمكن تبديلها. التاريخ تعاد كتابته. حسناً، لقد اكتشفنا تواً أن هذا ينطبق على العالم الواقع أيضاً… ربما يتغير التاريخ الواقعي بصفة مستمرة، لماذا؟ لأن التاريخ متخيل، إنه حلم في عقل البشرية، يسعى دائماً… إلى ماذا؟ إلى الكمال”5.

أخيراً، نتوصل إلى أن من يقرأ رواية “البصاصون”، يجبره عباس خلف، على قراءة (الزيني بركات – ليون الإفريقي – نزيف الحجر)، لمعرفة ما يجري في الأحداث المذكورة من مديات عمق التناص بين النصوص الأدبية من جهة، والنص التاريخي من جهة أخرى. لقد أضاف عباس خلف رؤية سياسية معاصرة، مستخدماً الشخصيات الروائية المختلفة لإسقاط الأضواء على ما يمر به العراق حالياً، الرواية ليست مجرد سرد للماضي، بل هي نقد ظاهرة القمع، وتكميم الأفواه، والخوف، وتدجين البعض من المثقفين العراقيين، والاستبداد الذي يمارس باسم الدين والمذهب. وتعدد الرواة جعل القارئ يرى الحدث الواحد من زوايا مختلفة ومتعددة، مما أضافه عمقاً حوارياً.

الهوامش والإحالات

1- ريتشارد كارني – بوطيقا الحداثة: نحو خيال هرمينوطيقي، ترجمة: عدي جوني، فواصل للنشر والتوزيع، اللاذقية / سوريا، 2022م، ص 159.

2- روبرت إيغلستون – الرواية المعاصرة: مقدمة قصيرة جداً، ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي، دار المدى، بغداد، 2017م، ص 73.

3- ليندا هاتشون – شعرية ما بعد الحداثة: التاريخ، النظرية، المتخيل، ترجمة: السيد إمام، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 200م، ص 161.

4- إبراهيم الكوني – نزيف الحجر “رواية” – دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت / لبنان، ط3، 1992م، ص 33.

5- ليندا هاتشون – م. ن.، ص 168.

  • عباس خلف علي – البصاصون “رواية”، مؤسسة الأمة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2023م

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان