ثقافية

الثقافة والاستقرار الوطني

سليـــم نـــــزال

الذين يتبنون نظرية التقدم عبر نقد الطبقة السياسية الحاكمة في بلادنا محقون لا شك.لكني أرى ذلك نصف المشكلة ،و احيانا أراها اقل من نصف المشكلة.لاني اعتقد إن السياسي يستند على الثقافي و ليس العكس ، لان رجل السياسة في نهاية المطاف منتج لثقافة معينة ، و أفكاره لا تأتي من السماء كما قال تروتسكي ذات مرة، بل من الخزان الثقافي الموجود. كيف يمكن مثلا ان تعيش مجموعات ثقافية في بلد واحد، و تكون في ذات المدارس و الجامعات و الادارة و الجيش الخ، ثم لا يعرفون بعضهم البعض الا عبر تصورات كل واحد عن الآخر ، منها ما هو غير صحيح او ما يظنه عن الآخر .نحن ببساطة لا نعرف بعضنا البعض. بل لدينا كم ليس بالقليل من الصور النمطية، او الأفكار التي تشجع على الصور النمطية و على استمرارها، كأن يأتي احدهم، و يقول السنة كذا و المسيحيون كذا و الشيعة كذا، الخ من الكلام التعميمي الغارق في الجهل، و الذي لا ينتج الا العنصرية و الكراهية و هدم أوطاننا فوق رؤوسنا جميعا . و جل أحاديثنا عن التعايش ذات طابع فولكلوري شكلي و ساذج ، كأن يضعوا صورا لرجال دين من طوائف مختلفة و هم يبتسمون و كأن هذا هو التعايش !!!  و لعمري هذا أمر شكلي لا اكثر و لا اقل .لكي تعيش مع الآخرين لا بد أن تعرف ما هي هواجسهم، و كيف يفكرون .تسمع على سبيل المثال بالعلويين او الدروز او السريان و هم من أبناء بلادنا، و ليس من البرازيل أو جزر القمر، و الغالبية العظمى لا تعرف شيئا عنهم.من هم هؤلاء و كيف يفكرون و ماهي معتقداتهم ؟

وغالبا الذين لا يعرفون يقعون فى إطار ثقافة التعميم و الأحكام الفجة، و هذه الثقافة كارثة علينا خاصة عندما نقع في الأزمات .  و لكي تعرف كيف يفكر الآخر ، لا بد من تنمية ثقافة حب الاستطلاع المعرفي في المدارس .و هذا يبنى عبر تنمية ثقافة المعرفة استنادا على نهج احترام الآخر المختلف عنك في التفكير او المعتقد، و بناء جسور الاخوة المستندة على المشتركات و القيم الوطنية و الانسانية .و المعرفة أساس ذلك، و انا من الذين يعتقدون أن أكثر من نصف مشاكلنا تحل لدى توفرها . حبا الله و التاريخ بلادنا بإرث ثقافي و حضاري ومبعث للفخر و الاعتزاز.الا و هو هذا التنوع الثقافي الموجود قبل زمن طويل من ظهور مصطلح (المجتمعات المتعددة الثقافات!) كما في أمريكا و كندا و سواهما .و لكن بدل ان يكون هذا الامر سببا من أسباب القوة و النهوض بات كارثة علينا بسبب ثقافة الجهل و الإلغاء و أخواتهما .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان