ثقافية

نعيم عبد مهلهل ضيفا على الصالون الثقافي العالمي في تونس

  الليلة نسافر إلى العراق..بلد الرجال والثوار..بلد الشعر والأدب..هو ذلك البلد التي تكالبت عليه النوائب. هو ذلك البلد الذي كلما حاول التتار قتله قام من جديد “يعلم الغزاة فن البقاء”…وضيفنا الليلة..رجل من ذلك البلد…رجل من تربة العراق العزيزة..لا يساوم في الحرية..يعشقها إلى حد الموت ودوما يقول:”أحمدُ السماء عندما ارفع رأسي إليها واجدها بلا قضبان……..! ” ..هو السيد نعيم عبد مهلهل..هو الروائي وهو الشاعر وهو الصحفي . رجل متعدد الصور الإبداعية..رجل أبدع فعلا في احتراف الاقانيم الثلاثة. الصحافة والرواية والشعر…رجل لا يرضى أبدا بالصور الجامدة يقول في تقديمه لكتابه” موناليزا مندائية على جدران اللوفر”:”… كتاب يجمع بين القصة والشعر والنثر ومحاولتي لصنع أكثر من موناليزا في هذا العالم للتفوق على تلك اللوحة الجامدة والمعلقة على جدران اللوفر والتي رسمها ليوناردو دافنشي قبل مئات الأعوام”. حين تقرأ كتاباته…وقصائده..تدرك جيدا إن هذا الرجل حتما سيعيد صياغة مفاهيمك في الحياة. كتاباته على صفحته الشخصية في الفيس بوك….تستحق فعلا أن تتوقف عندها مرارا…وتفكر.. يقول في أحداها..” طالما كان القمر يكتب قصائده تحت أجفانك بحبر الضوء .أنا أتغلب عليه هذه المرة واكتب قصائدي تحت أجفانك بحبر العراق……!”

تونس / تقديم : علي المفتاحي 

 

 * أستاذ نعيم ..هناك سؤال لابد أن اطرحه في البداية وهو في الواقع يفرض نفسه علي …وهو كيف تتواصل مع أخبار العراق ..وأنت بعيد عن وطنك الغالي ؟وبأي مشاعر تتابع ما يحدث هناك؟

– طالما تمنيت أن أكون أنا ..ولم افقد من رغبتي سوى خوفي من المجهول .ولأني من أمكنة صنعها الله من روح وطين .مضيت اصنع حلمي وشهوتي ورعشتي وقصيدتي .فقط لأحس إني إنسان وليس ذبابة ….! كل واحد مهما نأت به الأمكنة والمنافي يلبس وطنه ثوبا لا ينزعه حتى في غرامه في وسادة امرأة .الوطن هو الظل الثاني لشمس البشر .يسكننا إن كان عراق أو غيره ……!

 لا يكن المواطن مشاعر إزاء وطنه .لأنه لا يحتاجها مادام الوطن مثل خفق القلب يسكننا دائما ..ومتى توقفت مشاعر البشر في وطنيته توقف قلبه وأفضل له أن يصير تمثال لطاغية يمر عليه شعبه ويرفعوا له التحية بأياديهم والسباب بقلوبهم….!

 * دعنا نتحدث قليلا عن العراق … كيف تتعايش مع أوضاعه ؟كيف تنظر للمحتل البغيض؟ كيف تنظر لعمالة الحكومة ؟ كيف يا أخي تعبر عن مأساة العراق في كتاباتك ..بأي حبر تكتب عن عراقنا؟

– مهمة الكاتب الشريف أن يكون مبصرا لما يحدث .أنا لدي مقال في صحيفة الزمان اللندنية .وفيه شجن وحلم اليوم العراقي .أما المحتل فهو جائر أي كان شعاره وقدر العراق في حروبه خاضع لعشرات الاحتلالات .أنها قدرية عجيبة جعلته ينال من جروح التاريخ كل حزن وشتيمة……….!

اعتقد أن صناعة الحلم البشري لا تأتي بحبر القلم فقط .بل يجب أن يخلط بالدمعة والابتسامة وصفاء عيون من نحب.

 *  حدثنا رجاء عن بداياتك الجميلة مع الحرف ..حيث روعة الكتابة التي أزهرت العديد من الكتب والمقالات الصحفية ..كيف كانت. وكيف كان ارتباطك الأول بالقلم ؟

– بداية كل كاتب وشاعر وحالم يصنعها المكان …ودموع الأم والعشق الأول ..أنا ولدت في مدينة ولد على بعد عشرة فراسخ منها أبو الأنبياء إبراهيم الخليل .واعتقد إن من يولد قرب مكان مقدس لابد أن يأخذ من تلك القدسية وشاحا من النور وأنا أخذت وشاح الحرف .ومنذ طفولتي كان قلمي يبحث في عيون الدمى إغراءات حلم وقصة وقبلة ما..!

 * أين تضع نفسك أستاذ نعيم على خارطة الأدب العربي المعاصر؟

– لايستطيع أي واحد أن يضع نفسه على أية خريطة .اعتقد أن وجودنا على الخرائط يصنعه القارئ فقط .وثقة الكاتب بنفسه .اعتقد إني مع 20 كتابا كتبتها ومشاركات واسعة في معارض الكتب والحشد الهائل من الأحباب والقراء وجدت نفسي موجودا حتى لو قطرة في بحر .المهم اني موجود..

* ما هي مضامين كتبك ..؟..تدفق أستاذ نعيم أكثر وأكثر فنحن هنا في حوار صحفي نريده شافيا وضافيا ؟

–  كتبي هي عناوين أحلام متفرقة .الشعر والرواية والأساطير والرحلات والنقد والمقالات وتاريخ الديانات الشرق أوسطية وحضارات ، واعتقد إني مبتلى بتنوع أحلامي .فكل يوم أنا اكتب فصل من رواية وعشرات الخواطر والقصائد ومقال يومي وفصل من كتاب عن مدينة ارتحلت إليها،

والحمد لله أنا نلت في تجربة الكتابة تقديرا كبيرا حيث لي مكاني الثقافي المميز في بلدي… ونلت جائزة الدولة بالرواية وجائزة دبي العالمية بالرواية وجائزة القصة العربية في دمشق وجائزة العنقاء الذهبية كأفضل قاص عراقي العام 2005 . كل هذا الرصيد يجعلني لا أتوقف ففي مسوداتي الآن عشرة كتب أبرزها كتاب مثير ،اسمه( التاريخ الأسطوري لأحمر الشفاه )…إذن أنا في كتبي اصنع حلماً .وقديما يقولون صناع الحلم هم أبناء الآلهة.!

 * أنت من عداد الشعراء والكتاب الكبار في عالمنا العربي ..لكن الصحافة استقطبتك ..فكيف استطعت أن تزاوج بين أكثر من تخصص وهل تكتب بلغة صحفية أم بلغة شاعرية ..مقالاتك الصحفية؟

–  لغة الكاتب هي خصوصيته .ولهذا أنا اكتب بنمطية تلائم الشكل الذي اكتبه وخصوصيته فالشعر لغته وللرواية خصوصيتها وللمقالة خصوصيتها وحتما هناك خيط خفي يربط الجميع…………!

 * اه أكيد هناك خيط رفيع يربط الجميع .. أنا معك في هذا ..وسؤالي الآن هو ما العلاج الناجع الذي تراه أستاذ نعيم فعالا للقضاء على أزمة الوعي الثقافي في الوطن العربي؟

–  أزمة الوعي في العالم العربي هو السرطان الذي ينخر منتجنا الثقافي ..وليس هناك علاج سوى أن تمنح المؤسسات الثقافية الحاكمة والمهيمنة الحرية للقلم لكي يدرج أحلامه دون رقيب وشرطي ومزاج حاكم .أزمة الوعي هي أزمة شرق محكوم بالتقاليد والسلطة .والتخلص إلى أفاق أرحب لابد ان يأتي بمرحلة تاريخية واعية بثوب الثورة الفكرية والحداثوية.!

 * طيب إذا كان لا يحرجك أي سؤال فهل يمكن أن اعرف رأيك في حكام العراق الجدد. الذين دخلوا العراق على ظهور الدبابات الأمريكية؟

– صراحة ..”ما في حاكم جديد وحاكم قديم انه تبادل الأدوار “.وربما دخول الدبابة بوضوح وأمام شاشات التلفاز أفضل بكثير من دخول الدبابة عن طريق الاتفاقيات وتبادل الأنخاب والزيارات السرية.في العراق ثمة قدرية لا يعرفها إلا العراقي …انه ضحية طغاته وأمزجتهم ولهذا تأتي ضرورات الدبابة في بعض الأحيان.

 اعتقد إني أجبت بمنطق اعتقادي .وعليك أيها العزيز أن تعرف أن الذي يديه في الجمر ليس كمثل خارجها وراجع أرشيف  مقالاتي واقرأ ماذا أقول لدبابة الأجنبي وكتابي جمهورية السيدة زينب شاهد على هذا.

 * طيب سؤالي الأخير لضيفنا العزيز نعيم عبد مهلهل …هو كيف نوجد جيلا قادرا على حمل لواء الثقافة كما حملها كثير من السابقين ؟ولم لم يعد لنا كتاب في قيمة طه حسين ونجيب محفوظ ؟ولم لم تعد لنا أقلام صحفية في قيمة محمد حسنين هيكل ؟

– الحقيقة أن التبدلات التاريخية هي وحدها من تؤثر في صناعة الأديب .وكنت قد كتبت مقالا سابقا وقلت: إن لا قرن مثل القرن العشرين يأتي ويصنع لنا أدباء كماً ونوعا كما فعل هو ..ولا أظن أن طه حسين والمتنبي ونجيب محفوظ يأتي . ثقافة العولمة خلقت متغيرات صناعة الأديب .وعلينا أن نحمل النمط الجديد على علته أما إذا أردنا مقاومته فهذا يعني أن تتراكم الضحايا في محرقة العولمة….! حمل لواء الثقافة هو المهمة العسيرة .وأظن إن صناعة الأجيال الأدبية يخضع لمنطق التربية الاجتماعية والروحية .سيكون هناك أدباء جيدين ولكن ليس بمستوى فحولة من ذكرتهم والذين قبلهم كما فرنسا اليوم لن تقدر ومهما فعلت أن تصنع روائيا رائعا بمستوى هيجو أو سارتر أو سان جون بيرس.

*  نشكرك من قلوبنا أستاذ نعيم ..ونتمنى لك النجاح المطرد والإبداع المتواصل ..ونترك لك حرية ختم هذا اللقاء فماذا تقول في النهاية ؟

– أنا سعيد بهذا التواصل الرائع وأشكركم وانتم تحملون رؤى هذه الفكرة الجميلة في هكذا تواصل .المهم أتمنى أن أكون صادقا معكم في تفسير روح الأسئلة وأتمنى أن تعذروني عن تقصير ما في الفهم المتبادل وبالنهاية أكاد أن أقول إننا توصلنا إلى صناعة فهم مشترك لقضية تهم أدبنا وثقافتنا وعروبتنا   سلمتم وبارك الله فيكم. 

                                                   تونس في 16 شباط  

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان