عبدالسادة البصري
(المحلق في فضاء الحلم يشرئب،من خلل الرماد مختنقا بعبرته ما هكذا، أمي البلاد) ص131 بهذا المقطع العنقائي المشبع بالألم والأنين يختتم الشاعر (سعد ياسين يوسف) رحلته المشفوعة بالوجع الأزلي الذي اخذنا بها عبر(131 صفحة) من القطع المتوسط حملت بين طياتها(30قصيدة) تنوعت بين النثر والتفعيلة والتي استهلها باهداء الى الشهداء الذين حلموا بربيع لم يكن سوى خريف موحش.. (الى الذين اشرعوا صدورهم للرصاص… املا بربيع مبهج ولم يكن سوى خريف موحش) ص5 هنا ومنذ الوهلة الاولى يعطي انطباعا واقعيا لما سوف نتلقاه في السطور القادمة من الم وضياع وتشتت فأولى القصائد كانت مرثية لسائق الغمام: (تكاثر فينا المحل ولج الخنجر في خاصرة الحلم) ص7 (انزل غيثك ارضك محل ودم ومتاهات) ص8 وفي الثانية يرسم شكل خساراتنا المتوالية والمؤجلة واحدة واحدة ليضعها في سلة هي كل ماورثناه بعد سنوات الجمر والقحط والظلام: (بل كانت سلة لخسارات وليدة) ص12 والتي قدمنا من اجلها قرابين كثيرة من اقمار وقبلات حد الاكتواء بنارها: (كم من القبلات كنا قد خسرنا) ص14 وهكذا يظل الشاعر في دوامة رثائه المستمر لخيبات متتالية اثقلت كاهله الغض وبددت كل احلامه الوردية: ( غير اني كل مأخشاه ان تنكرني الاسماء من حزني اموت!!) ص22 ولكنه يحلم كل مرة بضياء آت من بعيد رغم الألم والظلام والدم: ( وحده الدم مازاره جمر الرصاص يفز حمامات من الضياء!) ص26 انه من الصفحة الاولى وحتى الاخيرة يرثي ربيعه الذي حلم به دون جدوى…الربيع الذي انتظره اجمل سنوات عمره جاء خريفا موحشا…ما أعطى للمجموعة صفتها الدائمة ،انه امتزج مع العنوان( ثريا نصه) ليكونا واحدا ويعطيا مدلولا ثابتا على شدة المعاناة التي نعانيها جميعا..فثريا نصه(اشجار خريف موحش) والكل يعرف مايحل بالاشجار عند حلول فصل الخريف..وبالتالي تنعكس الوحشة عليها بشكل اكيد( اصفرار ،ذبول،جفاف،موت )وانتشار الخوف والوحشة والالم في كل مكان: (رؤوس الاطفال المذبوحين) ص31 (اقلام الخشب المسلوبة لون الشمس)ص31 (ازهارا يبست)ص31 (فراشات فقدت ضوء اللون)ص32 (ربيع مختنق..بدم الزهر)ص33 (جرار خزائنه الملأى بالوجع المنسي) ص34 (بالاجنحة المكسورة)ص35 وفي خضم وحشته هذه نجده يستذكر طفولته الغضة في احلى ايامها من(عكد التوراة) في ميسان ليبكيها الان بعدما ذبلت اشجارها وجف ماؤها وهجرت بساتينها الفواخت ..ومنها يعبر صوب دمشق الرحلة والغربة والالم الممزوج بالذكريات: (النوافير التي كانت تباكرنا اضحت …بكاء)ص41 ولاأعرف هنا المقصود بكلمة النوافير جمع نافورة والتي تجمع نافورات او معنى آخر مثل (النوفرة) ثم يعود الى بابل الحلم الازلي: (بابل ياصخرة الاله،يامتكأ العرش يالهفة الطين الى السماء) ص48 ليدخل عالم الاساطير والتاريخ من بوابة عشتار يحاكي الالهة ويشرح لها ماحل بالمدينة اليوم: (الكرخة نهر دم وعيلام انثنت …تبكي نوائحها) ص50 هنا يستذكر الشاعر الحرب العراقية الايرانية التي راح ضحيتها الالاف من شباب البلدين ليظل يطارد الوجع المستديم في الشخصية العراقية..حزن دائم لن يرحل ابدا رغم كل شيء فبراءة الطفولة: ( اعيديني الى فرح النوارس اصداء موسيقى تهز الموج يامطر السؤال!!) ص63 تحاكيها وتشوه ساعاتها سيارات الموت العابرة صوب المدافن بجنائزها كل يوم ،ليعطينا صورة حية عن حياتنا التي تبكي ربيعا منتظرا حينما جاء غدا خريفا مخيفا مملوءا بالرعب والموت والخراب: (نقالات نقالات كيف سنحمل شجر اليوم المسجى) ص64 (وتطير في افق الدخان من الدخان الى الدخان هذا السديم) ص84 ( الفاو تهرول ..رأسا مقطوعة وقميصا احمر) ص89 (عاصفة التوق التي مرت على اشجارنا ذبلت ما أطلعت اغصانها سوى اعشاش ضحكات من الالم)ص110 (وترسمين شكل حزنك فتنفلت الدموع) ص111 (لا تمسحي دمع الفرات) ص112 (حبر مياهك تارة) ص115 (سفحوا دم الصبح على الضفاف وغادروك)ص115 ( غير ان الدمع باغته وماطاق انتظار ) ص120 (يلبس المشهد اثواب الحداد) ص127 وجع يتبع وجعا يتبع آخر وهكذا نظل حاملين اوجاعنا انى سرنا، ومتى، وكيف!!!..فالعراقي مثقل كاهله بالوجع المزمن نتيجة مامر ويمر عليه من ويلات وآلام وحزن وضياع وتفتت!! سعد ياسين يوسف في مجموعته هذه اعطانا اغنية حزينة مشبعة بألم النايات الجنوبية الطالعة من بين شجن القصب ونواح البردي وبكاء الفواخت،ليقول هذه حياتنا ففي كل زمان ومكان من الارض العراقية ثمة وجع!!!!!









