ثقافية

ليــل علــي بابــا الحزيـن لعبـد الخالـق الركابـي

الحقيقة / المحرر الثقافي 

 

نستطيع القول في البدء ان هذا الكتاب نوع من السيرة الذاتية اكثر من كونه رواية. الاحداث تأتي من منظور الكاتب الذي يعرف نفسه ككاتب قصص يجد لديه صعوبات عديدة في اكمال رواية ما وهو يعاصر نهاية عصر صدام والانفجار الكبير الذي رافق تلك النهاية والذي اعقبته الكثير من الانفجارات التي هزت صميم الدولة العراقية التي تقترب في عمرها بقرن من الزمان، فانشطرت الى شظايا ترفض التجمع من جديد. وبالطبع فان الركابي ، وهو يعالج اثار ذلك الانفجار على عائلة الكاتب واصدقائه ومعارفه ومن ثم على البلاد باكملها، يحاول ان يعمم انطباعاته الشخصية وهو يعايش الاحداث الجسام، فيبدأ بوصف علاقة مبهمة مع امراة مسيحية (وصديقة لاعز اصدقاء الكاتب ، يحيى) تطلب منه مساعدتها لاجهاض الجنين التي تحمله ، وينتهي بتلك الامرأة وقد ولدت طفلها وذهبت مع طفلها الى امريكا لاجئة. وهكذا تشكل قصة (دنيا ) غلافي القصة وبينهما قصة الكاتب وهو يحاول طمأنة زوجته واولاده في ظروف الحصار ومن ثم ظروف اعتقاله من السلطات الصدامية لفترة قصيرة قبل الحرب ، واخيرا ما حدث لهم بعد سقوط الدولة الصدامية الفاشوشية.وعبر ذلك نتعرف على شخصيات عديدة ، بعضها لديه ما يدفع القصة الى الامام ، ومنها يحي ابن بلد الكاتب “الاسلاف” التي يبدو انها “العمارة” او ما يقرب ذلك ، وهو صحفي وناشر وتعمل عنده دنيا المسيحية المحجبة والذي عقد معها كزوجة ثانية، ونجيب الكذاب الذي اصبح الاستاذ نجيب بعد التغيير، ورياض الذي انقلب من الزي الزيتوني الى “اسلامي” ورع بعد ان كان مختصا بتهريب الاثار الى ايران عن طريق مغارة علي بابا او المنفذ الحدودي. وبعض ابطال الرواية قد وظفهم الكاتب لسرد جزء من تاريخ العراق من وجهة نظره هو . وهذا ما يؤسف له فعلا ، فالاحداث تتوقف والسرد يتجمد في مكانه عندما يأتي لنا الركابي بشخصية بدر المقعد، والازرق العينين بسبب صلة والدته المفترضة مع رجل انكليزي، بين الحين والاخر ليوظفها لتكرار ، وبشكل سطحي ومبسط الى حد الابتذال، بعض احداث العراق الملكي والانتداب البريطاني. فنرى الخاتون مس بيل والملك فيصل الاول ومؤامرات الانكليز التي تكاد تنحصر بشيئين ، النفط والاثار، وردود فعل العراقيين الخ.  ومشكلة الركابي هنا انه حاول استرجاع تاريخ قرن من الزمان عبر صفحات قليلة وبدون حبكة روائية تمكنه من جمع الاحداث وترتيبها بشكل يربط القارئ ويدفعه لقراءة المزيد. اي ان الكتاب فشل على مستويين اساسيين: فالقصة ليست مترابطة والتاريخ سطحي وتكرار مللنا سماعه. كما حشى الكتاب باراء سياسية من النوع الاتي: -اطماع الامريكان ، ومن قبلهم الانكليز، في العراق ، حيث بدأوا بحملات التبشير والتنقيب على الاثار واستخراج النفط وانتهوا باحتلال المارينز لبغداد، والاستشهاد بكتاب ادور سعيد عن المستشرقين.وافلام هوليوود مثل (الشيخ) و (لص بغداد) و (بادرة جميلة) عبارة عن ترويج لتخلف العرب والمسلمين وحملات ظالمة من قبل الامم المتحدة في تجريدها الجيش العراقي من اسلحته الهجومية  و-سقوط بغداد في ٢٠٠٣ مجزرة جماعية لن تقتصر على المحتلين فحسب، بل ستعم البلاد كلها.. وكذلك فهذا السقوط السريع سببه خيانة في قيادة الحرس الجمهوري وهناك من يقول انه جاء بسبب استعمال الامريكان لسلاح نووي تكتيكي في معركة المطار واذابة الدبابات العراقية بمن فيها ( ومثل هذا الكلام يذكرني باحد نزلاء قصر النهاية في نهاية الستينيات الذي كان يحدثنا عن “خفايا” انتصارات القوة الجوية العراقية في حرب حزيران ١٩٦٧ وكيف ان الطيارين العراقيين اجبروا العشرات من الطيارات الاسرائيلية على الهبوط في المطارات السورية والعراقية مثل اش-ثري ، الا ان خيانة القيادة السورية محت اثار تلك الانتصارات واختفت الطائرات وطياريها.  -الدستور الجديد والفدرالية وعدم التوازن بين الكتل.. وكركوك كعقب اخيل وغير ذلك من خليط من الاراء والوقائع والتقديرات التي يرميها الكاتب هنا وهناك وبدون رابط منطقي في معظمها. اذا قد يتسائل المرء: كيف رشح هذا الكتاب من ضمن ستة كتب لجائزة “بوكر” العربية؟ ما هي الايجابيات هنا؟ لا بد من الاقرار ان وصف الكاتب لوقائع الغزو الامريكي وانعكاساته على نفسية الانسان العراقي جاء معبرا عن شعور الكثير من العراقيين في الداخل ان لم نقل اغلبهم، هذا الشعور الملئ بالتناقضات والاعتبارات. فقد كان العراقيون قبل ذلك الحدث الفاصل قد اعتادوا على نمط معين من الحياة و(تأقلموا) مع واقع الدولة الصدامية المسيطرة على جميع مرافق الحياة والتي اعفت الفرد في معظم الاحيان من الاختيار ومن القرار . ويحدثنا كاتبنا عن ظروف اعتقاله في سرداب الامن المظلم في (الاسلاف) مع عدد من معارفه اثر وشاية احدهم ،فيبدع في وصفه وكانه يتحدث عن تجربة حدثت له . فعندما يحشر المرء في الظلام بدون سبب واضح وبدون اتهام او تحقيق ، يدخل في عالم جديد لا بداية له ولا نهاية. ( وذكرني هذا الوصف مرة اخرى ببدء توقيفي في قصر النهاية حيث ليوم وليلة، وربما اكثر فالبعد الزمني يكاد يختفي في الظلام الدامس، ادلست في سرداب بدون اية اضاءة وهناك اذ تلمست بيدي محيطي ، وجدت دماء تسيل من جراح انسان اخر بالقرب مني، وثم، على مقربة منه ، سمعت انين شخص او اشخاص وبكاء اخرين.) الا ان الكاتب يؤكد لنا انه يتمنى ان لا يأتي تحريره عن طريق الامريكان لانه يحب وطنه ولا يريد له الهزيمة حتى ان كان هو يكره الحكم الصدامي. وفي هذا يطابق الكاتب تفكير واراء العديد من العراقيين الذين كانوا يتمنون ان يأتي التحرير عن طريق بني جلدتهم وليس عن طريق الاجانب. ختاما لا بد الاعتراف ان بعض الابداع في الوصف لا يعفي الركابي من اخفاقه في حبكة الرواية ، وهي المهمة الاساسية للقصصي، وبدل ذلك فقد قام “بتجميع” الاحداث والقصص من هنا وهناك لسرد سيرة ذاتية مقنعة على شكل رواية . ولا ادري لما فضح الركابي هذه التركيبة بختمه للكتاب ببعض المراجع التي استعان بها وكانه يكتب كتاب تاريخ او جغرافية.  وكملاحظة اخيرة: يتناول الكتاب هذا كما تناول الكتاب الاخر المرشح لجائزة (بوكر) ، فرانكشتاين في بغداد،  مع الفارق الكبير بين الركابي والسعداوي في الوصف والاقتراب من الواقع، فترة سقوط بغداد والاحداث التي اعقبته . ولانستبعد ان معظم الاعمال الفنية للمبدعين العراقيين في المستقبل القريب سيسبر غور هذه الاحداث الجسام وتداعياتها ، وقد ياتي بعد ذلك ، وبفعل الابتعاد النسبي من وهج الحدث، نوع من اعادة التقييم الذي نحن باشد الحاجة اليه. ولا يسعنا ونحن بانتظار (الحرب والسلام نسخة العراق) الا ان نغتني بكل المحاولات الفنية ، وان اخفقت نسبيا كمحاولة الركابي هذه،  والتي تذكرنا باللغة الجديدة التي جاءت الى عربية العراق: التوابين (وهم لا يتوبون)، الحواسم (وهي لا تحسم)، العلوج ( وهم لا يعلجون) ، القفاصة ( وهي لا تقفص)، العلاسة ( وهي لا تعلس) ، البحارة ( وهم لا يبحرون )، المكونات (التي لا تجتمع في كائن عراقي واحد).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان