جاسم العايف
الجزء الأول
يُعرّف الأستاذ “إحسان وفيق السامرائي” كتابه الجديد بصفته:” لوحات عن الحياة الاجتماعية والثقافية والفنية والتاريخية في البصرة من القرن العشرين حتى سنة 1979″. ويهديه إلى زوجته السيدة “خنساء الجلبي- قربان المحبة والوفاء”. قدم للكتاب الدكتور عامر السعد- مدير مركز دراسات البصرة. ما يحسب للمؤلف تناوله لأحداث ووقائع وسيرة المدينة وناسها سواء أكانوا في أعلى السلم الاجتماعي أم في درجات مختلفة منه ومن ضمنه القاع، وهو لم يتجاهل أو يتغاضى عن سكانها وميزاتهم مهما كانوا لأن هذا التغاضي يعني القفز على تاريخ المدينة وتجاهل سماتها و فراداتها التي تميزها عن غيرها ، فالمدن كما يقال بـ” ناسِها”، والبصرة مرّ بها أقوام عدة واختلطت على تربتها أجناس بشرية شتى جاءت عبر مواكب تاريخها لكن كل مَنْ حلّ فيها نسي ماضيه وامتزج بثقافتها وشخصيتها ذات السمات المميزة بتقاليدها ومذاهبها عربية وغير عربية. يعتمد الكاتب”السامرائي” في كتابه الذي يتألف من(638) صفحة على مئات المصادر التاريخية والحديثة من كتب وصحف ومستندات ، ووثائق حكومية منسية ، ومذكرات شخصية، ورسائل خاصة و مرويات شفهية، وصور فوتوغرافية نادرة عن المدينة وبعض شخصياتها السياسية والفنية وعمرانها وآثارها،ومقابلات شخصية وملاحظات خاصة عن أزمان عاشها في البصرة وتفتح وتشكل وعيه الاجتماعي- الفني فيها، وبذل مؤلفه بصبره ودأبه وجهده الفردي على استخلاص محتواه من شتى المصادر، ولا يمكن حصرها أو عدها لأنه وزعها جميعاً في متن كتابه ، دون أن يضع له فهرساً خاصاً بها ليسهل الرجوع إليها، و لم يقسم كتابه على فصول جامعة أو منفصلة تحت موضوع واحد أو متقارب ، بل أورد كل ما أتاحت له المصادر التي حصل عليها واستخدمها مختلطة بعضها بالبعض الآخر ، و أشار إلى انه حافظ في نقله من مصادره التي اعتمدها المنقولة عن الصحف والبيانات المخطوطة والمطبوعة والمجلات القديمة على” الأغلاط النحوية والإملائية كما وردت ، وتركها على حالتها دون تصحيح كما لم يسع لتعديل بعض صياغاتها وألفاظها للحفاظ على الأمانة التاريخية”(ص20-21). وينقل عن الرحالة العرب والأجانب الذين مروا بها ما كتبوه عنها، ويثبت أسماء رؤساء بلدية البصرة في العهد العثماني ، ويقتبس( تلغرافات) حول ذلك ثم ينتقل إلى حدود(ولاية البصرة) بألويتها وأقضيتها ونواحيها التي رسمتها الإمبراطورية العثمانية، قبل أن تتهاوى، وكان الأفضل أن يبدأ بالثانية، أي مكونات وحدود (ولاية البصرة) العثمانية لا ببلديتها المحلية. من اللازم أن نؤكد أن كتاب الأستاذ السامرائي الذي استغرق العمل فيه أكثر من خمس سنوات في جمع المصادر والاطلاع عليها وتمحيصها ومقارنتها مع غيرها، ثم اعتمادها و الكتابة عنها، أنه جهد يتجاوز طاقة وإمكانات الشخص الواحد وهو من عمل لجان متخصصة في جوانب متعددة من الحياة البصرية وتاريخها لكن الأستاذ “السامرائي” تصدى لها منفرداً رغم كل الصعوبات التي واجهته. ونرى إن هذا الجهد والدأب فيما يخص (البصرة) قد شابه بعض النواقص التي لا نعتقد أن المؤلف يجهلها وربما فاتته سهواً ، ولابد من ذكر بعض الملاحظات التي لا اعتقد أنها تبخس الكتاب ودأب وإمكانات الأستاذ السامرائي في هذا الجهد. فمن خلال تعريفه ببعض مناطق البصرة ومنها(الشعيبة) مثلاً والتي تصفها(ليدي دراور) بـ” واحة تتلألأ ذرات الملح في إطرافها فيحسبها الثلج”- ص 219 – فأنه لا يتطرق إلى المعركة الضارية التي جرت فيها بين القوات البريطانية والمتطوعين العراقيين لقتالها على ارض ( الشعيبة) ذاتها خلال ثورة (العشرين) ،لكنه يتطرق لمقاومة عشائر (القرنة) للقوات البريطانية.وعند تناوله(شركة نفط البصرة) فأنه يتحدث عنها مفصلاً وتنقيباتها النفطية ومنجزاتها الكثيرة ومنها تطوير القطاع النفطي في البصرة و بناء مستشفى خاص بالعاملين فيها وكذلك بناء حي سكني لهم، وحتى مَنْ تعاقب على إدارتها من الانكليز والعراقيين، لكنه يهمل النضال المَطلبي والوطني- الديمقراطي ، الذي خاضه عمال الشركة ، عبر الإضرابات والأعتصامات العمالية المتتالية ، وتصدي السلطات القمعية لهم والمواجهات الشرسة بين عمال الشركة وقوات الشرطة والتي سالت فيها دماء العمال ووقع بعض الشهداء من عمال الشركة ذاتها، ناهيك عن الاعتقالات التي طالت الكثير منهم ، وبحسب ما أورده” حنا بطاطو” و” د.سعاد خيري” و”عزيز سباهي” وغيرهم فأن المحرض والمنظم على هذه الإضرابات كان”الحزب الشيوعي العراقي” في البصرة، و أن الشهيد “سلام عادل” كان الواقف خلفها كونه كان حينها المسؤول عن اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة.يتناول الأستاذ السامرائي النشاطات الثقافية والفنية في عموم مناطق البصرة بكل أقضيتها وبعض مناطقها ، ولا يذكر محلة (الجمهورية/الفيصلية) وما فيها من حركة ثقافية – اجتماعية، و(الجمهورية) قدمت للبصرة والعراق المع الأسماء ، وعلى سبيل المثال لا الحصر الفنان “فيصل لعيبي” وشقيقته الفنانة “عفيفة لعيبي” وشقيقته الأخرى الشاعرة الشعبية “ليلى لعيبي”، والفنان التشكيلي “صلاح جياد”، والقاص المرحوم” لطيف ناصر حسين” والشاعر الشعبي الشهيد “فوزي السعد” والملحن “طارق شبلي” والشاعر الشهيد” فالح الطائي”، و شاعر الأغنية العراقية العذب ، مجهول المصير”أبو سرحان” وعشرات الأسماء اللامعة من الأدباء والفنانين والصحفيين والمثقفين والرياضيين وكذلك السياسيين بكل توجهاتهم العلمانية والدينية-السياسية والقومية المنفتحة. ويخص الأستاذ السامرائي مهرجان (المربد) باحتفاء خاص، ولابد أن نتفق معه في أن مهرجان (المربد) يعد: ” التظاهرة الاحتفالية الأكبر عربياً والمناسبة التي يحتضن فيها العراق مثقفي العرب ومبدعيه من دون أن نغفل عن أن الهاجس الإعلامي والدعائي كان المحرك الأول لمن يقف وراء تلك الأنشطة الثقافية، وليس الرغبة في الثقافة وحب المعرفة”- د. صالح هويدي/ المثقف العراقي من ثقافة السلطة إلى ثقافة المستقبل









