ثقافية

عبير التوابل: للكاتب إحسان السامرائي .. وبعض المسكوت عنه

جاسم العايف 

 الجزء الثاني

 

يصف الأستاذ “السامرائي” ما حدث يوم 14 تموز 1958 بالانقلاب العسكري تارةً أو بـ(الحركة) ، تارةً أخرى- ص192 وص 256 – و لم يتطرق لهذه السنوات التي منحت البصرة ، والعراق كله ، أبواباً متعددة من مختلف أنواع التحولات الاجتماعية والنشاطات التي لا عهد أو تراث للعراقيين بها، ولكنها بعدم ارتفاع قادة الثورة ومعهم كل القوى السياسية العراقية ، لم يرتفع الجميع إلى مستوى المهمات الوطنية الديمقراطية الكبرى التي كان يطمح أليها كل العراقيين على أسس متكافئة في تأكيد روح المواطنة العراقية أولاً ، و إقرار حق حرية الرأي والمعارضة الوطنية السلمية ، ثم الانتقال لبناء الدولة المدنية العراقية، وللأمانة والتاريخ فأننا وقد بتنا الآن على مسافة بعيدة جداً عن تلك السنوات ، وما رافقها من أحداث وتجاوزات ، لا ننكر ما جرى خلالها ، من توجهات وأفعال وممارسات مريرة ووحشية ، مهما كانت الدوافع والحجج التي خلفها أو تلبستها حينها، وقد مورست من قبل قوى سياسية – تقدمية ، ضد مَنْ يختلفون معها في الرؤى والتوجهات والقناعات السياسية-الاجتماعية،ووجَهتْ تحركات الشارع البصري ، والعراقي كله ، لصالح نشوة وتوجهات (العسكر) ، ولم تكن طرفاً في السلطة ، وارتبطت هيمنة وسيطرة (العسكر) في التحكم وسدة القرار ، بالجحيم والدمار والخراب والموت والتعسف، الذي طال البصرة و العراق وشعبه، وتمخضت عنه عاصفة 8 شباط الدموية العام 1963.ولم يتطرق الكاتب إلى المقاومة الباسلة للبصريين بمواجهة قطعان الانقلابيين ، وبعد انكسارها شهدت البصرة فضائع و قسوة ممارسات (الحرس القومي) ، والذين اتخذوا من بناية ( نادي الاتحاد الرياضي) مقراً لهم ، وتم فيها الإجهاز على كثير من النساء والرجال وحتى الأطفال ، وشمل ذلك كل مكان في البصرة، وتم توثيق جزءاً قليلاً جداً منه في كتاب الـ”منحرفون “، وما جاء فيه من صور وحقائق ،على قلتِها، إزاء الوقائع الفعلية التي حصلت تصنف ضمن الأفعال (البربرية). يتحدث الأستاذ السامرائي عن الاصطدامات التي حدثت في (المعقل) مع قلة من منتسبي (الحرس القومي) ويورد أسماء مَنْ قتل منهم يوم 18 تشرين الثاني العام 1963 ويصف مَنْ قام بالحركة وأيدها بـ(عناصر الردة). ولم يتطرق إلى إعدام العاملين (عبد الله رشيد وكريم حسين) العام 1964، وتعليقهما مقابل مقر(المؤسسة العامة للموانئ العراقية)، وفي(المعقل) بالذات، منذ الصباح إلى المساء ، ولم يذكر الاحتجاجات الشعبية التي حدثت جراء ذلك وفي ذات اليوم. وللعلم قامت قيادة الحزب الشيوعي في البصرة بترميم قبريهما مع إجراء مراسيم التأبين المناسب لهما و بحضور جماهيري كبير في مقبرة الحسن البصري بالزبير بعد سقوط النظام . ولا يذكر الكاتب أحداث ووقائع مرت بها البصرة بعد انقلاب 17-30 تموز 1968 وأحدثت جروحاً غائرة في أرواح وأجساد البصريين وتشرد الكثير منهم واختفى المئات غيرهم و مصائر بعضهم مازالت غامضة حتى الآن؟.ولا التصفيات والممارسات التي راح ضحيتها في البصرة،بعض نشطاء الفكر السياسي التقدمي و الديني-السياسي، وكذلك بعض حملت الفكر القومي الذين توجهوا حينها يساراً. كما إن الأستاذ السامرائي يوثق لوصول المنفيين الكرد من الاتحاد السوفيتي بحراً إلى ميناء البصرة والاحتفالات الجماهيرية التي جرت ترحيباً بعودتهم لوطنهم ومعهم الملا “مصفى البرزاني”، وينسبها إلى(الحزب الشيوعي العراقي)، لكنه تجاوز المرحلة التي شهدت البصرة فيها حراكاً سياسياً واسعاً ضد الحرب في كردستان في بداية الستينيات وشعار (الحزب الشيوعي) الذي كان يغطي المحلات الشعبية وهو(الديمقراطية للعراق..والحكم الذاتي لكردستان) وسيق جراءه مئات البصريين إلى الاعتقال من قبل مديرية أمن البصرة وقبعوا لفترات طويلة جداً في مواقفها ومعتقلاتها. ما هو مثير حقاً أن الأستاذ السامرائي وفي الصفحة (512) من كتابه يورد عنوان ((السريون)) ويخص به (الشعبة الخاصة) التي أسست زمن النظام الملكي وترأسها(بهجت العطية)، ويؤكدا السامرائي أن مهمتها:” محاربة التنظيمات السرية والمبادئ الهدامة الشيوعية..!!”.وللعلم و بعد 14 تموز 1958 تحول اسمها إلى (مديرية الأمن العامة)، ويذكر أسماء أهم العاملين فيها في البصرة . ومنهم (م. ي) و(ج.أ) و (ف.الأ) ويخصهم بأكثر من ثلاث صفحات في كتابه ويصفهم أنهم:”..ممن خدم البصرة وظلوا في ذاكرة المدينة..محرومون من حقهم وتضحيتهم وإخلاصهم لتربة الوطن، فمتى نشعر بالضرورة لتقيم رجال الأمس وأسرهم لننصفهم بعد أن أصبحوا جزءاً من التاريخ؟”(ص514). ولكن السؤال الأهم ، في ما أرى ، هو متى ننصف ضحاياهم أولاً؟. ومن الذين قبعوا في المعتقلات والسجون سنوات نتيجة تقاريرهم السرية ووشاياتهم الكاذبة المزيفة وأفعالهم الإجرامية القذرة، و خاصة ما فعله (ف.الأ..) و(ج.أغ..) خلال أعوام 1961-1968.

 

 

  

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان