زعيم نصار
نظرتُ الى السماءِ فشتمتُ نفسي، وهي في طريقها الى الجفافِ، كانَ القمرُ في الليلةِ البيضاء من شعبان: نصفُهُ اسودُ، وكنّا في رحلةِ صيدٍ، السِّراجُ يتدلى على صاريةِ المشحوفِ”1″، كنـّـا خائفينَ في تلك الأيام، أن نصحو بِلا مياهٍ، ننظرُ الى الجزْرِ وهو ينزلُ قليلاً، قليلاً فيكشفُ عن جروفٍ تتفّطرُ أقدامـُها. الأليافُ والطحالبُ التي تجفُّ ليلاً بعد ليلٍ، تغطّي أسماكـَنا الميتة
نظرتُ الى السماءِ وشتمتهُ، بينما أصحابي تجتذبـُهم السَّجـَّادةُ إلى الصلاةِ.
لم تبـْقَ لنا مرادٍ ” 2″ لدفعِ هذا الجفافِ الى الوراء.
هَجـَرتـْنا الأسماكُ، وفرغتِ الأسِرّةُ، السماءُ بِلا دُخان.
القريةُ بلا فوانيسَ. النساءُ جفَّ حليبـُها. وتحنـّطَ الأطفالُ في الأكواخ، الشيوخُ انزرعوا على تلالِ المساء.
الجواميسُ نـَزَحتْ الى المجازرِ القريبةِ. القواربُ ابتعدَ بعضُها عن بـَعْض.
النعاجُ تصعدُ نحو الهاويةِ، في الصباحِ وجدنا ثلاثينَ نعجةً قد نفقتْ، بعضُهُـنَّ بلا كِلْـيَتـَيـْنِ، يسومـُهـُنَّ المفلسونَ في الرحلةِ.
لماذا كنا في رحلةِ صيدٍ؟
كان معنا السِّراجُ يكشفـُنا تحت الحشرات.
كنتُ أخطّ حيرتي على رملِ حياتي، وأنا أعضّ بآلامي على جلد الظلامِ.
أخذتُ يدَ أحدِهم
جذّفتُ، جذّفتُ الحكايةَ، كنتُ الوحيدَ الذي بـَقـِيَ بالقربِ من الجُّروفِ وهي تتفطّـرُ.
قال لي ماذا رويتَ؟
قلت: أكاذيبُ رأيتـُها في أحلامي فرويتـُها في سوقِ الأسماكِ،
رأيتُ السَّيـّدَ حيدرَ الآمليَّ “3” في النومِ، وتذكَّـرْتُ أنّي قرأتُ في محيطهِ الأعظمِ “4”، “أنّي واقفٌ في سوقِ الأسماكِ، وأشاهدُ جسميَ على الأرضِ مرمياً، وهو ميّتٌ ملفوفٌ بالكفنِ ، وأنا أتفـَّرجُ عليهِ، وأتعجّبُ من هذا: كيف كنت واقفاً وكيفَ أمسيتُ مرمياً! رأيت أيضاً، مرةً أخرى، أني جالسٌ ورأسي في يدي، وهو مقطوعٌ، من غيرِ علمي بقطعهِ، أدوّرُهُ على يديّ، أتفرّجُ عليه، وأضحكُ كلَّ ساعةٍ من هذه الصورةِ العجيبةِ، حتى انتبهتُ”
قلتُ: هكذا صدقـّتُ ما رويتُ:
البحيرةُ ارتفعَ مدُّها وفاضتِ المياهُ على البلادِ، والقمرُ اسودُ ومكتملٌ، وقلبي لم يتفطّرْ مثلَ تُـربةِ الهَـْورِ، ولم نكن خائفينَ.
ماذا يمكنني أن أفعَلَ؟ أنا الوحيدُ الذي بَـقِيتُ أَخرجُ لرحلةِ صيدٍ بلا سِراجٍ، ولا فالةٍ “6”
ولا شِباك، ولا زورق، سوى أن أتبعَ نجمةَ قلبي كالأعمى، سوى أني اروي كناياتٍ من الوهمِ، لدرجةِ أنـّي أتذكّـرُ كلَّ يومٍ، رأسي بين يديّ، وهو مقطوعٌ، من غيرِ علمِيَ بقطعِهِ، أدوّرُه على يديّ أتفّـرجُ عليه، وأضْحـَك.
*معنى ” هور مغندب ” : بالعربية الفصيحة/ الغُندبـُة هي إحدى الغندبتين وهما طيّتان من الغشاء تضمّان بينهما اللوزتين من امام ومن خلف. جفافهما يؤثر على الوجه البشري ليجعله مغندباً، مكتئباً،حزيناً وهكذا رأيت وجه الهور انذاك بعد تجفيف مياهه. وله دلالات اخرى في اللغة السومرية وكثيراً ما نستخدم هذه الكلمة في لهجتنا العراقية الجنوبية .
هوامش
* النص من كتابي ( هور مغندب) وهو “أم النعاج” هور عراقي على الحدود الإيرانية من جهة مدينة العمارة، عشت فيه سنتين قاسيتين، بين عامي 1999و2001 .
1 – المشحوف: كلمة سومرية تعني الزورق الصغير المصنوع من الخشب والقار يشبه السمكة الكبيرة، يستعمل كوسيلة نقل في الهور.
2 – المردي: كلمة سومرية معناها (عمود خشبي طويل نستخدمه في الهور لدفع الزورق في مناطق المياه المنخفضة التي تلامس الأرض).
3 – حيدر الآملي: أحد كبار العرفانيين وله كتب كثيرة في هذا المجال.
4 – المحيط الأعظم : هو كتاب ” تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم” في تفسير القرآن لمؤلفه السيد حيدر الآملي.
5 – الفالة: كلمة سومرية: تعني آلة شوكية الشكل وهي عصا من الخيزران طويلة نسبيا (2م تقريبا) نهايتها تتصل بقطعة حديدية تشبه ُ(شوكة الطعام) لها خمسة رؤوس مدببة حادة الأطراف ومعقوفة النهاية، يتم بها صيد الأسماك في الهور.
ملاحظة/
كل الكلمات السومرية الواردة في الكتاب نستعملها في لهجتنا اليومية حتى هذه اللحظة في الجنوب العراقي، وخاصة مناطق الاهوار.









