حسن عبد الرزاق
طلب من سائق الحافلة النزول. ثيابه بدوية .. وعلى وجهه براءة الصحاري .. وفي قلبه ستة مسامير .
من الخانة الاخيرة – حيث كان جالسا – حتى الباب ، مسح جميع وجوه الركاب .
فرقبته تلفتت يمينا ويسارا واستدارت الى الخلف قليلا وعادت الى الامام ملتقطة صور الجميع بعينين تغشيهما غلالة من الاستغراب.
ضحك وابتسامات .. ومن فم شاب مراهق اثاره التلفت ، تنطلق تعليقات مترادفة لم يفهم الرجل معناها لكن الضحك افهمه انها سخرية منه ليس الا.
وطأت قدماه الارض واستقبله نسيم البرية الاذاري وخضرة اعشابها الممتدة من حافة اسفلت الطريق الخارجي حتى خارج النظر حيث تقع مرابع اهله هناك.
لقد عاد الان من سفرة طبية الى العاصمة اخذت من حياته الصحراوية يوما ونصف اليوم ومن المفروض ان يهرع باشواقه نحو الجهة التي تحتوي عالمه الهادي هدوء الجنة ، لكنه تابع الحافلة بفم مغلق تحت شارب كثيف ولحية كثة لعل السيارة تذكره في هذه اللحظات الاخيرة الى أي جنس ينتمي ركابها.
انهم يبتسمون ويقهقهون ويسخرون ونام بعضهم على المقاعد واكلوا في مطعم الطريق وغازل المراهق احدى الفتيات بنظرات عبر الكراسي وسب السائق سائقا اخر ضايقه عند احد المنعطفات .. فالى أي جنس ينتمي هؤلاء؟!
كاد راسه ان يتصدع وهو يتلقى رنين تلك الاسئلة قبل ان يترك صورة الحافلة وبقية السيارات المتخاطفة رواحا ومجيئا ويتجه الى اهله البعيدين عن الطرق الخارجية.
كاد فعلا.
*
في الليل وبعد ان نامت زوجته الشمطاء مخدرة بالدواء الذي جلبه اليها .. اخرج نايا قديما كان قد دسه في صرة من قماشية منذ ان غادر عمر العشق والغناء السحيق.
ولكي يخلص راسه من التصدع سحب الاسئلة منه الى صدره وتركها تسرب نارها من فم الناي .
وكان في تلك النار سخونة بارود ينفجر وجمر اجساد ستة تتفحم ولون دماء يصبغ الشارع المحاذي للمرآب.. وفيها ايضا نظرات صفيقة لوجوه ركاب رأوا كل هذا قبل ثلاث ساعات فقط ثم نسوه تماما وعادوا يضحكون.









