ثقافية

هيمنة سلطة الخوف.. قراءة في رواية ((الزلزال )) للقاص والروائي عبد الله العامري

عبد السادة البصري 

 

(( أنا الإنسان الوحيد في هذه المدينة الذي أعاني كثيرا من الوحدة والخوف والقلق والتوقعات التي باتت تخيفني )) ص 171

بهذه العبارة يختصر القاص والروائي عبد الله العامري كل ما يريد البوح به في حكايته التي هي بالذات حكاية شعب بأكمله إذ تدور أحداث الرواية منذ نهاية السبعينيات وحتى 2003 رغم أن الكاتب أعطاها بعدا رمزيا عند تسمياته للاماكن والشخوص إلا أن القارئ يعرف مباشرة انه يتحدث عن البصرة التي هي نموذج مصغر للعراق.

 حدد الكاتب أبطاله بثلاثة (الراوي وصديقيه ) وقد أكد على صفة الراوي التي تعنيه بالضبط (شاب يعشق القراءة والتسكع والخمرة) ثم عرج على صديقيه ( منقذ ومحمود) ورغم بعض التمويه في الصفات والأفعال إلا انك تشعر بان الكاتب يقصد محمود ( الراحل محمود عبد الوهاب) إذ يؤكد على أن محمود أستاذ اللغة رجل في منتصف العمر(نهاية السبعينيات) ظهرت عليه بوادر الكبر يجيد إطلاق النكات رفض الزواج مفرط في القراءة لا يقع الكتاب من يده)ص11

رغم انه أضفى صفات وأعمال لم يكن الراحل محمود عبد الوهاب يقوم بها  وبمنقذ (منقذ (الشريدة) انه نحات وفنان تشكيلي وسكير حتى النخاع)  . ص10

هؤلاء الثلاثة هم عماد الحكاية التي سيأخذنا عبرها الكاتب لنعيش في زمن امتد من(1978-2003) ونعرف حيثيات الأحداث التي مرت خلالها( انهيار الجبهة ملاحقة وسجن وإعدام الشيوعيين والوطنيين ، اندلاع الحرب العراقية الإيرانية وانتهائها ، حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء) الحرب الثالثة والأخيرة . والتي تؤكد استمرارية الزلزال وتصاعد وتيرته شيئا فشيئا فالزلزال هنا يعني استمرارية الحرب وبشتى صورها. نجده قد أعطى صفات وأسماء قريبة بعض الشيء من الواقع 

محمود استاذ اللغة  — محمود عبد الوهاب رغم اعتراض البعض على الصفات والأعمال التي وصف الراوي محمود بها 

منقذ الرسام —- منقذ الشريدة .

الذات المقدسة و(كلي القدرة )الطاغية صدام.

 العيون والمراقبين وعيون العيون والمجسات —- رجال الأمن والمخابرات ووكلائهم 

شارع الملاهي —- شارع الوطن

النهر الخالد —- شط العرب 

الراوي هنا أعطى انطباعا مؤكدا على أن الخوف قد زرع فينا منذ تلك السنوات وما بعدها بفعل القهر والظلم والتهديد والوعيد إذ نعيش حياة كائن لا يعرف سوى الخوف والقلق منذ الصفحة الأولى للرواية .

((منذ أن حوصرت وأنا أخشى الانفراد، لكن بما أن الاختلاط يخيفني. صار من الصعب علي الانسجام مع الآخرين طالما أن الآخرين يشكلون خطرا لا يمكن نكرانه لذلك أصبحت حياتي مضطربة )) ص5

ليؤكد ما وصفه الناقد (مقداد مسعود) في مقدمته للرواية والتي طبعت على الغلاف الأخير (يشعر إنما يجري له أشبه بقنونة اجتماعية شاملة.  ثمة (وسم) للبشر لا يختلف عن ذلك الوسم الذي للبغال ربما هذه هي هيمنة الفضاء الروائي) .

 بمعنى أن الراوي صير كائنة الإنسان خائفا ومرتبكا وقلقا طيلة حياته وكأنه المجتمع قد وسمه بوسم الخوف المزمن..  ولكن هل سيتحرر من سلطة الخوف ؟ أو يسعى لتحرير نفسه ذاتيا ؟!

الجواب .. لا اعتقد لأن الكائن المحصور بين الأزقة وغرفته العلوية ونفسيته متعبة ومرعوبة لا يمكن أن يسعى لغير ذلك أبدا. حيث يعطي جوابه الأكيد بان التحرر من سلطة الخوف مستحيلة وفق رؤيته لان الظلام الذي خيم على البلاد وبالتالي نفسيته لن ينقشع أبدا ((انه ما دام الظلام قد اختبأ تحت الستارة فالمدينة ستلقى ما وجدت سابحة فيه )) ص174

وهذه دليل قاطع على أن الروائي يقول مادام الخوف قد تغلغل في جميع أحشائنا فإننا سنبقى مرعوبين مرتبكين وخائفين والمدينة ستبقى على حالها. حيث يقول :-

((وأصبح الرعب زادنا اليومي )) ص98

((ونناقش أمر الزلزال الذي استمر مصحوبا بالبراكين المتفجرة كل يوم )) ص 86

((ومع كل هذا فالقلق والخوف يسيطران علي )) ص79

((خرجت وأنا اشعر بالإذلال والانسحاق)) ص78

عبد الله العامري صورة حياة العراقيين وبالأخص البصريين بشكل واقعي رغم سلطة الخوف المسيطرة علي إلا انه رسم لوحة تشكيلية جميلة لما مر به العراق خلال (35 عام).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان