طامي هراطة عباس
تسرب الضوء وانزاح باتجاهات غامضة، بدا الأمر وكأن الأشياء تتجه كلها نحو الظلمة، غابت قامات الرجال المحيطين بي وخفت حدة أصواتهم، لم افهم لحظتها من قطع صلته بالأخر ، ما زلت أحتفظ بالقليل من الصور ، صور الحادثة التي باتت نائية ، شاحبة ، ويصعب استرجاعها أو إعادة تكوينها ، لم يستمر الأمر طويلا حين اكتشفت إنني اقبع بالجانب المظلم في منطقة يبعث وضعي فيها على الأسى ، لحظتها شعرت إن هذه هي أول الصدامات المرة التي منحت وجودي الباهت صفة التطفل البغيض على الحياة ، كانت العناية الخاصة التي بذلتها العائلة تفاقم عدوانيتي كنت المعاق الوحيد في العائلة ، الضرير الأول … بعد سنوات من معاشرة الظلمة بدت فكرة التدثر بحياة باردة وقاتمة مقيتة تماماً ، ولهذا كنت أنصت باهتمام لذلك التيار الذي يتصاعد في داخلي أختبر قوته وأمسك بومضاته الصريحة والموحية أحيانا ، كانت الصور والرؤى تفد من ثقب يسرب رائحة المستقبل ، ثم رحتُ أثرثر ، كان الأمر في البدء مجرد ثرثرة في الطريق إلى الجامعة التي هجرتها فيما بعد لكي أتفرغ للعمل الحكومي السري ، كانت الرؤى تصطدم بي لحظة لمس الأشياء أو سماع أصواتها أوشم رائحتها مخلفة شرخاً تتسرب منه الكلمات المبهمة والأصوات الغريبة ، كان ذلك يخيف البعض حين يفاجئهم لكنه يرضيني أكثر ويفتح أمامي كل البوابات حتى صارت لمستي تعريهم تماما تجعلهم مكشوفين صغار ومفتوحين من كل الاتجاهات ، كانوا يأتون بهم إلى الأقبية أو الزنزانات الرطبة معصوبي الأعين خائفين جزعين ثم تبدأ عمليات الفرز والنبذ تعزز نفسها مستفيدة من ذلك العري الصلف الذي أحدثته ، كان كياني يتضخم داخل المؤسسة الأمنية وظلالي تفترش المدينة وسيرتي متداولة … كنت أقل عناية بتقصي أسباب هذا التحول ذلك لأنني مازلت اعتقد إن ما يحدث هو محض تعويض بالغ السخاء عن فقداني لبصري وهو الذي جعلني انغمس لسنوات في لعبة اكتشاف الآخرين والنبش في أعماقهم ، تقصي ماضيهم والتواصل مع مستقبلهم ، التواصل مع الأيام واللحظات التي لم تولد بعد ، مع الحيوات المتبرعمة العالقة في الممرات الكونية الصغيرة المفضية إلى هذه الوجود. كنت أطوف المدن بسرية مطلقة متشمماً رائحة التآمر ، يختلط علي الأمر أحيانا ، عندما يصنع الناس طرقاً للمقاومة تحجب أفكارهم ، كان ذلك كله جديرا بوضعي بين طرقات الحلم ومفازات الهلاوس المرضية ، لكنني اعتقدتُ بحقيقة تلك الرؤى ، إذ كانت مصداقيتها تهوي مثل شهب صغيرة في حياة وسماوات أولئك الذين لمستهم . في بيتي وخارج رتابة العمل الرسمي كان البعض يقصدني ، كنت غالباً ما أتلاعب بهم ، احجب عنهم تلك الأخبار السيئة وتبعات الأخطاء الصغيرة ، كان ذلك يفرحهم حد الارتعاش ، لكن ما لم أدركه هو ذلك الرجع ، الصدى ، الارتداد الوحشي للفرحة المغموسة بالدهشة ، الشهقة المنفلتة من الأعماق المستسلمة للرتابة أو المعلقة على بوابات الرجاء القصية ، ذلك ماكنت ارغب بمشاهدته على الدوام ، لكن تلك الظلمة القاتمة المحيطة بي كانت صلدة أزلية وغير قابلة على الاختراق ، لكن عزائي الوحيد هو أنني كيان صغير ينثر رؤاه وتنبؤاته في ارض بالغة الخصب وينعم بصحبة جيدة … مضت السنوات تهوي متسارعة مراكمة مايكفي من الرتابة والملل ، الملل من ذلك التشابه الذي يتوحد الناس تحت مظلته ، فبدا لي إن الاختلافات الملموسة ، الظاهرية يجب أن لايعتد بها على الدوام ، يجب أن لا يوحي ذلك الاختلاف في البصمات ونبرات الصوت بأننا حقاً مختلفين عن بعضنا ، إذ إننا لم نتمكن بعد من دحر اللهاث خلف البعض والإيمان بأفكار الآخرين وليس بوسعنا نسف جذور العادة في حياتنا ، إن رغباتنا المشتركة وذائقتنا الموحدة ومخاوفنا تغطي كل القارات إنها تستنسخ نفسها وتستهلكها على نحو مريع حتى أولئك الذين بهرني تفردهم كانوا ينسجون في السر نوعا من التشابه المَرضي في خطوط حياتهم اليومية … مضى ذلك العمل المختلط بالهوس يشيد جدراناً متداخلة من العزلة حولي ، متاهات غريبة ومعقدة لايمكن النفاذ منها ، كنت متخما بالرؤى ، لم أكن مجرد مستبصر أو قارئ أفكار ، كنت أحيط بكل أولئك الذين اقتربوا من دائرة استبصاري ، اعرف كل شيء عنهم ، اكتشف الخيانات الصغيرة المواعيد السرية الصفقات المريبة ، كنت أثقل حياتهم بهذه الإحاطة المطلقة حتى صرت أشم رائحة خوفهم في كل مكان ، ثم بدأ ت أشعر بخفوت بريقي وبتلك الريبة والرعب الذي يثيره استبصاري ، كانت رغبات الناس تتجه للتمسك بتلك الحياة الواقعية التي نسجوها بصبر وطمر الحقائق والأخطاء وترميم الماضي ، أما فضح ذلك وكشف النهايات والمصائر والزوال فتلك هي الصفحة الأكثر رعباً … بدأت الإشاعات تفد مهددة تلك الهيبة التي تكلل تاريخي ، لم يكن بوسعي إيقاف تلك الحملة ولم اكتشف بالتحديد متى بدأت وكيف ستنتهي ، لان تلك الأشياء لايمكن لمسها وتقصيها ، هكذا هي الإشاعات تُطلق لتخدم هدفاً معينا لتربك شخصاً أو نظاماً معينا ، وكانت هذه المرة تتجه وتتمحور نحوي بالذات ، إنها نذر زوالي من هذا المكان . الآن وقبل أن تحرق القبيلة ساحرها العجوز تفتش الدائرة الضيقة من الرجال الذين التفوا حولي ، عن منفى اختياري ، مكان سري وبدائي في ارض ما أو كَون ما ، وسط كائنات تخشى ماضيها وتعتمد على الغير في قراءة مستقبلها ، ذلك بالضبط ما يحتاجه كائن مخيف مثلي .









