ثقافية

القلب البديل رواية كتبت على لسان قلبين الأول عاشها والثاني دوّنها

نعمة السوداني / الجزء الاخير

 

 

  تنطلق الرواية بنبض القلب غير المستقر من الخاص إلى العام في مذكرات رجل  يتراوح فيها  ماهو جميل معشوق  لذيذ وقبيح (غروتسك ) مؤلم مخيف مرعب حد اللعنة !انها الغرابة .

  نراه يتدفق  كشلال بارد يوقظ كل الحواس في توصيف الألم والمرارة والماساة بالرغم من بعض حلاوتها ورومانسيتها !

  هذه الاجواء كلها تمنح للكاتب ايضا  الممارسة الادبية في فضاءات كبيرة متعددة مختلفة  عن ساعات باتت قصيرة  جدا  تسير امام عينيه , اما  سيغادر الحياة  معلنا الخسارة او سيبقى  على قيد حياة جديدة بقلب جديد  ويعلن انتصاره من جديد  بعد  زمن  من المرارة ! انه القلق الذي لايفضي الى خاتمة ! 

وبالتالي تتضح لنا  رؤية الانطلاق من المحلية التي كتب فيها  القلب البديل  الى العالمية  حينما  اعتبرت العملية من  اهم العمليات في هولندا , ونشرت عنها الصحف هناك !

 وقد عمل الكاتب محمود النجار على تحرير ذاته من البلاغة التي تعتبر مهمة في النص  وخارج النص  حتى تساعده لغته الشعرية  على اختيار كلماته وسرده وتوصيفه  المشبع بالقلق والخوف من الاتي حتى يقطع نفس القاريء في بعض الاحيان ! 

 رواية تستند  على خيوط امل رفيعة جدا لاترى بالعين المجردة !

  بشكل انيق ودقيق ,فني مثل عمله , اشتغل محمود جاسم  النجار على هذا العمل والاعمال التي تلته  خاصة انه ايضا  شاعرا وكاتبا   يمتلك حرفه  القدرة على النفاذ من خرم ابرة ليحيك لنا به اجمل  الاحداث  والوقائع التي جرت معه ,,رجل كان مقيدا بالوطن  وباهله الذين غادرهم مودعا  لهم والغصة في قلبه الضعيف  !رجل يبحث عن كرامته مهووس بالحلم والعودة من جديد الى وطنه !

فما تناوله من مذكراته تشبه خيوط حرير قوية جدا وناعمة   في نسيج سردي مكين , تشعر واكن  السرد لايرى  بالعين المجردة , انما بالاحساس والمشاعر والقلق الذي ساد على الطابع الروائي او السردي  للقلب البديل!

  , الضمير والنكبة  الالم والمعاناة  , ووقت العمل المضبوط الذي يراد به انجاز المشروع , وبراعة التصميم الفني  والانجاز الجيد ,  نجد من ذلك ليس هناك حدود للخيال عنده و لانه يعتمد التوازن بين ماهو علمي وواقعي وعقلاني وبين ماهو خيالي وحسي وحدسي .

 وجدت هذه الصفات في هذا المنجز الرائع الذي دمغ بين المادة الشعرية والوصفية والسردية  الى اخره .

 صناعة الفكرة بين الواقع  واللامالوف  وبين الدهشة والترقب :

 لامذكرات ولا ذكريات ولا سيرة ذاتية من ( دون وجود ذاكرة انفعالية زاخرة ومليئة بالصور والانفعالات والاحداث بالاضافة الى اللغة والخيال  والاسلوب  ) كي يعتمد عليها في صناعة الفكرة التي تتصارع بين الشك واليقين بين المالوف واللامألوف ,,  بتدوين الهم البشري  ,, ذلك الهم الذي اخذ الكثير من الكاتب في مدونته هذه الرائعة .

 تناولت هذه الرواية  التي جاء بها القلب الاخر  التعبير, والبوح , الحب , النساء , الالم و الغربة والتواصل مع الاخر,,  فيها من البراعة الفنية والواقعية كما تعبرعن سهولة في السرد والحكي ,, وكان واضحا فيها التاثير الفني المعماري للشاعر او الروائي  ( كتجربة  رائدة لاعماله) من خلال تجربته الحياتية  والتفكير الدائم بالقلب البديل  وما سيحصل في الدهشة والترقب لنبضات قلب ربما يرفض  التعايش مع المكان الجديد لانه لامالوف له سيكون نزيلا جديدا بين ثنايا وحنايا جسد شارد !

 ونحن نعرف ان هذه المدونات  والمذكرات ما هي الا رحلات تنطلق من الزمن البعيد من الزمن الماضي بدقائق وتفاصيل الحاضر او بعقارب ساعة الحاضر .

 وبعد إطلاعي على ماجاء في هذه الرواية من القصص القصيرة  والسرد  وجدت إن دور — اللغة والاسلوب والشاعرية  — في كل هذه الأجناس مهم جدا عند الاديب محمود النجار تؤشر على إنه متمكن في تسليط الضوء على الأحداث والصراعات  بوجود معادل موضوعي واضح يتمثل بين  الشعور برحيل قلب زامنه طولة حياته وقلب آخر غريب لا يعرف عنه شيء بين ذات واحد لقلبين مختلفين بلغة وصفية وشعرية !

  كما ولاحظت من خلال أفكار الكاتب أن بناء الإنسان ورقيه في كل زوايا الحياة الأدبية هو ثقافة وتقدم يمر عبر تطوير اللغة واساليبها لغرض الوصول الى منتوج فكري إنساني وحضاري نابع من صميم الذات وان الخطاب معنون إلى الانسانية بشكل مباشر .

 لقد طرحت هذه التجربة العديد من التساؤلات المهمة و التي جاءت من صلب الروح الذاتية  للكاتب ..

ومن أهم هذه الاسئلة — حالة التدني في مستوى العلاقات في الغربة القاسية – تفشي روح  الغيرة والحسد والتخلف بسبب الحروب والأوضاع المزرية التي مر بها الوطن ما جعل أغلب  الناس تهاجر وتحمل معها أمراضها المجتمعية في الوضع المعيش في زمن الخراب في الوطن الام !!  بلد مزقته الحروب – والدمار والخراب هما الصفتان الأهم الآن – مما أنهك كاهل الشعب العراقي  وارجعه الى الوراء دونما ان تتقدم . وكان لهذا الماساة تاثيرا واضحا على رسائل وعلاقات  الكاتب في هذه الرواية ! لان الحبل السري مازال مرتبكا في عقله وروح صوب الوطن !

وبان جلياً ذلك في مجموعة الرسائل والمفاهيم المهمة التي وردت على لسان الشخصية الرئيسية  في اهمية تقديم نوع الحياة التي عاشها .

و من خلال صناعة الفكرة الفنية التي قد تمر على البعض بشكل عادي ,, لكنها في حقيقة الامر هي  عصب الحياة اليومي .. كما احب أن أشير الى ملاحظة مهمة تتعلق في إن الذكريات هي أقرب الى السيرة الذاتية من أي فن سردي اخر . كما في مفاهيم -الاعجاب والاعتقاد- جماليات الكون– والبيئة الغريبة لشعب ليس بمهاجر !

–الاشارة الى الذات وتعريتها والتي بدأت تتهاوى الى المستنقع بعيداً عن الثقافة العراقية والإسلامية  —  لأن الشعب الهولندي احبه وقدم له الكثير على عكس ما حصده من الأصدقاء  وفي العراق وفي غربته !! 

كان يبحث عن روح الإنسان في بوصلته ! بالإضافة الى فن الرواية والحديث عن المأساة باشكالها وبتاريخها ما لها وما عليها .

 ان أهمية هذا الجسر أو الخط يعبر عن أهمية الزمن الذي لاينقطع في ذهنية الكاتب لأنه سلسلة من التراكمات الحياتية , يتحدد بوقت معين في سلسلة الروي والسرد , ونراه متقطعا في أوقات ومتصل في أوقات اخرى كما في (الذكريات) .  اخيرا أنا شخصيا كنت متمتعا بقراءة هذه المقالات والمذكرات والذكريات والقصص القصيرة , حيث وجدت هناك خيطاَ سرّيا لهذه الأجناس الأدبية يرتبط ببعضها البعض بين ما هو يقع تحت مفهوم السيرة الذاتية والمذكرات .. ولأن هذا الخيط رفيع جدا فهو يتداخل بين هذه الاجناس . وبالمحصلة فان عملية الإنتاج الأدبي هذه تتم عبر تحريك الذاكرة الإنفعالية ومخزونها الفكري ونوعية التجاريب للانسان .  جاء هذا الإصدار بعنوان القلب البديل و بهذا العمر بعد الاستكانة, وهدوء النفس المشتعلة في انتظار المجهول  الروح المتوقدة حينئذ، كي تعلن اليوم عن — البوح اللذيذ — الذي عاش فيها منذ زمن طويل . نفسٌ كانت تراقب بعين ثاقبة الحياة بحلوها ومرها , وماآلت اليه الإنسانية اليوم  من خراب فكري وصراعات لا تحصى ولا تعد . بالإضافة الى محاسنها ورقيها في المجتمعات المتحضرة !

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان