قديماً كان الآباء يفضلون إنجاب الولد لحاجة المجتمع اليه، فظروف البيئة تفرض على الانسان مطالب معينة، وهي بدورها تفرض على الإنسان تفضيل نوع على نوع وهو في الحقيقة ليس تفضيل جنس على جنس وإنما تفضيل لدواعي الحاجة فقط ، فنرى في المجتمعات الأكثر رقياً ورفاهية تختفي الأصوات التي تتحدث عن تفضيل الذكور على الإناث.والعصر الحديث بامكاناته وتنظيمه واكتشافه اتاح للمرأة ممارسة الكثير من الأعمال التي كان من الصعب ممارستها فيما مضى. اذ تطور العالم وتغيرت المعاملات بالتعليم والثقافة واصبحت البنت تجوب كل مجال وتؤدي كل المهام دون خصوصية وترتاد كل المواقع بعيدا عن الانوثة الضعيفة بل كونها امرأة مخلوقا يشارك في الحياة الاجتماعية .لكن بالرغم من الوعي الذي حدث في كل المجتمعات والذي كسر حاجز الاسرة العربية في التمييز والتفريق بين البنت والولد .. الا ان نظرة الاباء و المجتمع الى البنات مازالت ضيقة نظرا لسلبية التفكير و العادات المزعومة باسم القوة و الفحولة.
( الحقيقة ) تسأل من خلال هذا التحقيق : هل نظرة الآباء والمجتمع ككل الى انجاب البنات تغيرت أم ظلت كما هي؟ وما هي العوامل التي دعت لهذه النظرة؟ وكيفية الوصول الى التغير المنشود ولا نقصد بذلك إلغاء الفوارق بين الجنسين تماماً، فلكل منهما مميزاته الخاصة به، والهامة بالنسبة للحفاظ على النوع واستمرار الحياة (كلٌ ميسرُ لما خلق له)..
تحقيق ـ سناء الحافي
الانطباعات الأولى عند وصول الطفل : بين التعصّب الجهل…!!
ولكي نبدأ المشكلة من مصدرها الأول توجهنا الى إحدى أقسام الولادة والنساء لنعرف من القائمات على هذه العملية ما يحدث لحظة استقبال المولود مباشرة. قالت الممرضة فضيلة محمد: ان استقبال الولد له فرحة أكثر، وخصوصاً عند أجداد الطفل، كذلك عند سكان الأماكن القروية، فمهما كان عندهم من الأولاد أيضاً يريدون الولد، وعموماً من يرزقه الله إناثاً يتمنى الولد ومن يرزقه الله ذكوراً يتمنى الأنثى….
وتواصل الحديث الدكتورة لما الزعبي اخصائية أمراض النساء والولادة 🙁 قائلة أعمل منذ سبع سنوات في قسم الولادة، ومن خلال هذه الفترة لاحظت ان هناك تطورا في نظرة الآباء تجاه المولودة الأنثى، ففي الماضي كان الاهتمام بالولد من أجل الميراث حتى ان الرجل كان يطلق زوجته اذا انجبت له بنات، وهناك بعض الأمهات تهمهن هذه الناحية حتى أنها لحظة وصول الطفل ترفع رأسها لتطمئن، فإن جاء على غير هواها ربما اصيبت بنزيف أما الآن فلم تعد هذه الظاهرة موجودة بنفس الصورة
زمن يحتاج للرجال : للولد ضرورو لحماية البنات..!!
السيدة نوال محمد: ان للولد ضرورة كأخ للبنات وكحماية لهم وبالنسبة لي كنت أتمنى ان يكون لي ولد ويكون هو الأكبر فأنا أحس باطمئنان لوجود اخ لها في حياتي. ولكن بما أن الله قد رزقني بابنتي فانا لا اطلب الولد بصورة ملحة، وسوف أكرر المحاولة مرة ثالثة فان جاء الولد خيراً، وإلا فلن إعيدها حتى أكون قادرة على تربية بناتي تربية صالحة ونافعة تعوضهن عن الأخ. ورأي زوجي نفس رأيي تماماً، ويرى من الجهل ان نظل ننجب طلباً للولد حتى نرهق أنفسنا ونعجز عن تربية بناتنا. وفي النهاية ربما اتى الولد او لم يأت..
علم الاجتماع : التربية السليمة هي الأساس و البيت بلا نساء كالحياة بلا هواء!!
بينما يرى الاستاذ صالح الشمري اخصائي اجتماعي ان ( البيت بلا نساء كالحياة بلا روح ولا هواء، وان الله خلق المرأة لتكون عونا لآدم، وانني كأب وعندما تزوجت كان امنيتي بأنثى تملأ علينا البيت حناناً وبهجة وقد حقق الله لي هذه الأمنية. ثم رزقت ايضاً ببنتين فأصبحن ثلاث زهرات، تفانينا انا وزوجتي في تربيتهن فالتربية السليمة هي الاساس و أنني مؤمن بأنني سوف أعطي لهذا المجتمع ثلاث أمهات صالحات.
ويواصل حديثه قائلا:
الفتاة الآن أصبحت كالولد تماماً، بل انفع في كثير من الأحيان فهي ان وجدت التوجيه السليم شبَّت على مثاليات انعكست على سلوكياتها في المنزل وخارج المنزل، فهي تساعد الأم في أعمال البيت المختلفة، وفي الأخير أقول: إن بناتي صديقات حميمات لي ولوالدتهن. يتحملن المسؤولية كاملة.
تفضيل الولد بحكم الشريعة و نص القرآن الكريم !!
ولكي تكون الصورة أكثر وضوحاً وصدقاً التقينا بعدد من المختصين في مجال علم الاجتماع ومنهم الدكتورة هدى الخبالي استاذة التخطيط الاجتماعي التي بينت ان المجتمعات العربية القديمة كانت تمارس التمييز بين الولد والبنت منذ لحظة مجيئها الى الحياة فتفضيل الذكر على الأنثى إحدى القيم التي مازالت قائمة في المجتمع بغض النظر عن نوعه حضرياً او ريفياً، او مكانة المرأة ودرجة تعليمها ويرجع تفضيل إنجاب الذكور على الإناث الى عدة عوامل منها عوامل دينية، حيث ان للذكر حقوقاً مكفولة بحكم الشريعة ونص القرآن الكريم.
أهلي لم يهتموا بتعليمي أنا وأختي كما اهتموا بالأولاد …!
السيدة ماجدة المرعب (47عاما) أم لاربع بنات وولد واحد قالت: (عندي ولد واحد وحصلت عليه بصعوبة لذلك فهو عزيز جدا ولكني لا افرق بينه وبين أخواته في المعاملة، امي أيضاً لم تفرق بيني وبين اخوتي ابدا، نحن ثلاثة اولاد وبنتان، عندما جئت إلى الدنيا يقال ان ابي زعل وترك البيت ولكن عندما كبرنا لم يفرق بيننا واهتم بنا… ولكن أهلي لم يهتموا بتعليمي أنا وأختي، وهذا يؤلمني الآن كثيراً). وعندما سألتها: (وزوجك ايهما يفضل؟!)، ابتسمت السيدة ماجدة وقالت: (الولد طبعا… ابني جاء بعد ثلاث بنات، وزع زوجي الحلويات على الاهل والجيران وكان يحمله معه ويأخذه إلى حيث يذهب ويبقى الولد شيئا آخر..
كرست حياتي لخدمة أبي حتى توفي.. و أخي لم يكن يسأل عنه أبداً !!
وعندما التقينا الآنسة ساجدة حميد (40 سنة) تعيش في بيت أبيها مع اخيها المتزوج وتوزع وقتها ونشاطها ما بين اولاد اخيها واولاد اختها، اخبرتنا قائلة: (أحب البنات أكثر، كما ان تربية البنات لها اجر كبير، أختي عندها أربع بنات وأخي الذي اعيش معه عنده ثلاث بنات، البنت بطبيعتها حنونة، انا كرست حياتي لخدمة أبي، فبعد وفاة أمي وزواج اختي بقي والدي لوحده وقضيت خمسة عشر عاما في تمريض والدي والأهتمام بشأنه حتى توفي…)، وعندما سألتها: (في رأيك لماذا الولد مفضل على البنت في مجتمعنا؟)، أجابت: (لان هناك تصوراً ان الولد يفيد في الكبر ويحمل همّ ابويه ويكون سنداً لهما في الشيخوخة اما الفتاة تتزوج وتذهب إلى الغير..
المجتمعات العربية والتصور القيمي للفحولة !!
و تضيف الأستاذة سهام العميد باحثة اجتماعية في هذا الشأن معللة هذه الظاهرة: (في المجتمعات الذكورية ـ كمجتمعنا ـ ينشأ التصور القيمي للذكر على حساب الأنثى، فالولد هوحامل اسم العائلة، وهو أملها في مستقبل حياتها والمعيل والكفيل ولو دققنا النظر في الواقع المعاش لوجدنا ان البنت هي التي تحمل اعباء أسرتها وتقف إلى جانبها في المحن أكثر من الولد خاصة عندما يكبر الوالدان وتشتد بهما الشيخوخة.. وفي الغالب الاسر التي تفضل الولد هي الاسر التي يكون رب الأسرة قد تعرض في طفولته لتربية معينة أو حادثة معينة هيأته نفسيا لتصور افضلية الولد ولا فرق في رب الاسرة ان يكون الاب أو الام أو من يؤثر في مسيرة حياتها…
ومن الطف ما قرأته عن حب الابناء، حديث الاعرابية التي سُئلت عن أي ابنائها احب اليها، اجابت: (صغيرهم حتى يكبر وغائبهم حتى يعود ومريضهم حتى يشفى)..فالظرف الذي يمر به الابن هو الذي يحدد مقدار الاهتمام به ولكن الحب متساوٍ بين الجميع والعاطفة واحدة فإذا كان غير ذلك فهو خلل في التركيبة المعرفية واضطراب في الشخصية وجهل في معرفة الحقيقة.
خطية لمن ترزق ببنت !!
و أردفت قائلة: (اليوم وعلى الرغم من وجود المرأة في كل الميادين مع الرجل وبذلك يمكن ان تكون معين العائلة وسندها، مع ذلك يبقى الولد هو امل الاسرة إلى الدرجة التي نسمع فيها كلمة (خطية) لمن ترزق بالبنت.
أما عبدالله الصمدي قال: «مجتمعنا فيه كثير من المتناقضات وعادات تحكمنا حتى في هذا الأمر الخاص بأفراد الأسرة الواحدة. فمن ينادَى باسم البنت يشعر بحرج بين أصدقائه، خصوصاً لدى بعض الأوساط التي تعتبر الإفصاح عن اسم المرأة عيباً للرجل، وكأنه احتماء بها». ويقول فهد المطيري: «في السابق كنت أنادى باسم أبو لجين، وعندما أكرمني الله تعالى بالابن تغيرت كنيتي إلى أبو طارق، وذلك بشكل تلقائي من المحيطين بي من إخوة أو زملاء أو أقارب دون طلب مني أو اعتراض». ويضيف: «البعض لا يتقبل أن نسميه باسم الابنة. هي حرية شخصية ترجع إلى ثقافة المجتمع حوله والطبيعة الأسرية، وهناك أناس لا يحبذون كنية الابنة وينادون بعضهم بكنية الأب أو أي اسم آخر.
واعتبر أبو فجر أن من يرفض مناداته باسم البنت جاهل ومتعصب، وقال: «لا افرق بين أبنائي في المسميات، فلدي ابنة وولد وليس لي كنية معينة. وعندما رزقني الله البنت كان أكبر فخر لي أن أنادى باسمها، وعندما رزقت الابن ما زال البعض يناديني باسم الابنة
كذلك فضّل : (أبو نوف) مناداته باسم ابنته مع أن لديه ولداً ويضيف:مناداتي باسم ابنتي تشعرني بالتميز بغض النظر عن المجتمع، فلو سايرنا المجتمع وأفراده على ما يريد ويفضل لم نهنأ بعيشنا، وأفضل مناداتي دائماً باسم ابنتي، وما زالت هذه الكنية مستمرة دون اعتراض الأبناء، وسوف تستمر بإذن الله لأنها الابنة الأولى.
الرأي النفسي وعقدة ” أبو البنات ” …!
الرأي النفسي قال الاختصاصي النفسي الدكتور وليد الزهراني: «قضية إنجاب الولد تمثل للرجل أمراً مهماً، خصوصاً أنها تعني له الخروج من دائرة أو عقدة أبو البنات، مع زيادة نسبة المواليد الإناث بحسب ما هو ملموس وما تؤكده الإحصاءات. فإنجاب الولد تحول إلى همّ اجتماعي، بل أصبحت عند البعض قضية محورية، بالنسبة إلى الرجل في المقام الأول». وأضاف: «على رغم التطوّر التعليمي والثقافي، يسمح إنجاب الولد للرجل بتجاوز شيء من العقدة، ومواجهة العائلة بالساعد الأيمن وحامل اللواء. ما زال إنجاب الولد بالنسبة إلى الزوجة يعني زيادة في رصيد المحبة والدلال في زمن تغيّرت فيه المقاييس، وتشكلت فيه العواطف حسب الحاجة. كثيرات من النساء حتى اللحظة، قابعات في المربع الأول من القلق، خوفاً من أن ينجبن إناثاً، فمع كل حمل ومضي شهوره التسعة، تتسع دائرة الخوف من تكرار إنجاب البنت.
ويكون العذر جاهزاً للزوج، غير المضمون رد فعله، إذ قد يحدث انقلاب ويأتي بزوجة ثانية، وربما ثالثة وحجته في ذلك الولد، وهذا يؤثر نفسياً على الزوجة التي لا حول ولا قوة لها في قضية إنجاب الذكور يشكل إنجاب البنات بالنسبة إلى بعض الرجال عبئاً إقتصاديّاً. ويقول اختصاصي النساء والولادة الدكتور محمد الرفيدي: «نواجه إحراجات كبيرة إذا عرفنا الجنس، لان البعض يرغب في مولود صبي لأن لديه الكثير من البنات، مما يضع الزوجة في موقف محرج». وذكر أن مسألة تحديد نوع الجنين عبر تحديد وقت معين للجماع وزيادة نسبة الكالسيوم والصوديوم في الدم، أمر لم يثبت علمياً…
مضيفاً : (إن كثيرا من العائلات العربية تمنح الولد مزيدا من الرعاية والعطف والاهتمام والتكليف بعكس الفتاة، وإن هذه التنشئة تؤهل الشاب على أساس أنه مصدر الحماية والمعين الرئيسي للأسرة في المستقبل وأن الفتاة هي العنصر الضعيف المحتاج لقوة الرجل ودعمه…
رأي الشريعة: ضرورة التوعية و التربية الصحيحة للبنت و الولد!
أما أستاذ علوم الشريعة سليمان الدقور، يقول إن مثل هذه السلوكيات الخاطئة التي تمارس مع الأبناء تؤثر عليهم ويكون لها انعكاس وردة فعل سلبية، مشيرا إلى أن المخرج من ذلك يكون بتوعية الأهل في التعامل مع أبنائهم، وتوعية الجيل من خلال تدريبهم على معايير التعامل الصحيح، حتى لا نستنسخ القصة نفسها ولا تتولد ردّات فعل سلبية نتيجة المعاملة السابقة”. وأكد “أن الإسلام يتعامل مع الرجل والمرأة بناء على الدور الذي يقوم به كل منهما، وليس على أساس جنسهما، لذلك جاءت الآية القرآنية “ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن”.ودعا الدقور إلى الرفق بالبنات والأولاد معا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: “إذا أراد الله عز وجل بأهل بيت خيرًا، أدخل عليهم الرفق”، وإن كانت البنات بحاجة للرفق أكثر من الولد لضعفهن ورقتهن، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: “من عال ثلاثا من بنات يكفيهن، ويرحمهن، ويرفق بهن، فهو في الجنّة…




_1617644865.jpg)



