ثقافية

لا مكان للهوامش في "هوامش كحل"

نهضة طه الكرطاني

 

في  طباعة أنيقة تشدك إليها وتجبرك على أن تلقي بنفسك في هشيم قراءة متواصلة  بلا انقطاع… صدرت عن دار ميزوبوتاميا للشاعر حامد الراوي المجموعة  الشعرية الجديدة التي حملت عنوان (هوامش كحل)… ومن غرابة العنوان الذي  يدلك على قصيدة مؤثرة في كل شيء تستل أوجاعك لتلقي بنفسك في حضرة الكلمة  التي تمر فوق جروح القلب فتلثمها…

نجح الشاعر جواد الحطاب بل وأجاد حين قال في تقديمه للمجموعة نحن بصدد شاعر مراوغ تتراكض عنده القصائد ما بين (الأصولية الشعرية) والحداثة من دون أن تتعثر أو تنكفئ لأن جمهورها من العشاق والمجانين. 

ولربما اختار الشاعر قطرة المطر الوحيدة لتكون أولى قصائده في إشارة إلى أن كلمة واحدة توجز لنا هذه المجموعة المنسابة بعذوبة فكيف إذا تجمعت قطرتان ليتكون من التقائهما نهر يفيض عذوبة علينا..

يبدع الراوي في قصيدة التفعيلة ويبدع في تفعيله للعمود الذي ليس له من العمود شكله بل روحه المنسابة بين القوافي المنظمة فتجلي عنه جدار آخر. 

كلمة ترفض أن تغادر الذاكرة حتى إذا يلاحقها سطرها الثاني وفض وزاحمها في المكان ليزيحها ويتخندق موضعها بدلاً عنها منتظراً غواية سطر آخر يرزح في بوابة ذاكرة المتلقي ويطل علينا الحاح الكلمة.. “وترفق سوف أبقي حنجرتي بين فكيك فلا تطبق فمك”. 

وآه كم هو توق يجرنا مرغمين إلى رائحة البداوة والصحراء تختلط بأنين الناي الجريح رويداً رويداً ويكتم لوعته كي يواسي دمعة المشتاق إلى صحراء غواياته مخافة أن يعتريها غبار الوجوم..

وتشرئب من بين القصائد مدن الهوى فإذا بشاعرنا عراقي.. عن أوجاعه لا يتوب…ويطل أسم العراق حب يشهق من بين ثنايا الموت وسؤال يتكرر صداه في المراثي… أكان لزاماً أن تكون هناك عودة لنقلب كحل العيون بعدما تبكي القصيدة في حب العراق. 

قصائد تهوم في تهدجات الخاشع المرتل بالصلاة لا ترتحل فيها البداوة مسافة فرسخين وتظل تهوم في افقها مهما اشتطت بها الدروب فتظل تناجي نايها المنداح حزناً وانين. 

أن الراوي القادم من صحراء القلب يأبى ان يغادر صحراءه لذا هو يتغنى بها فتظهر بسخاء في قصائده موشاة بزخرف الكلمات الممزوجة بغرين الفرات مكونة مملكته التي يرفض أن يغادرها أو تغادره معلناً عن تفاهة البحر واغواءاته. 

أما قصيدة هوامش كحل التي حملت المجموعة اسمها فتنفتح لنا عوالمها عن بوح ممض لتجليات عمر مضى إلى نهايته محدودب الظهر.. والعشق في جنبات ليله أسرار مطوية عن كحل يفر منه اللون في عيون ليلى والليل هو السقف الذي يعلم هوامش الكحل ويغويها ويهديها أنجماً كيما يرسم على ضوء قنديل ذابل أرقه ليله. يضطر معه الشاعر أن (يستدين نهاراً ويستعين به على موته) بعد أن طوى غروبه وتقدم بعبث خطوة لا يجدي فيها التقدم في شيئا. 

ويدهشنا الراوي مرة أخرى في ينبوع لا يشكو من الظمأ بان يعلن إنه في انتمائه لوطن لا يحمل منه سوى معنى الانتماء مع أنه راسخ راكز في صلصال هذه الأرض فأي معادلة تقلب الأوزان وتملؤنا بالتساؤل. وفي آخر القصائد يأبى الراوي إلا ان يمزج صفة الحبيبة ويوحدها بهذا الوطن المنساب على أرضه فرات يأبى ان يغادر أرضه مهما غاب عنه المطر. 

في قصائد “هوامش كحل” نتغنى بالأنثى من دون أن يكون هناك جسد يعشق أنما هو انسياب الروح في انسياب الارض..ونتغنى بالوطن من دون ان تكون هناك حماسة المتوثبين في الهتاف.

 مجموعة مع انك تظن لوهلة انك استطعت ان تسبر اغوارها تكتشف إنك مخطيء  ففي قراءة ثانية تصدم بأنك في مواجهة آفاق جديدة تفتح لتكتشف أنك في حضرة نصوص لا تمنح نفسها بسهولة أمام المقبلين عليها…

هي دعوة جميلة وأنيقة لقراءة متأنية لنصوص أقل ما يقال عنها ممتعة وممتنعة لكاتبها الشاعر حامد الراوي.  

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان