ثقافية

كتاب كوابيس الأبيض … لن يُطهر جثتي إلا الرمل وسورة ياسين

الذي يعمل في حقل المسرح وخاصة الذين يواكبون كل ما هو جديد سواء في التأليف المسرحي، أم النقد، أم الدراسات، أو حتى العرض الذي تقدمه تلك الفرقة أو هذه الفرقة! فيكون شغلهم الشاغل البحث عنه، كي يطوروا إمكانيتهم المعرفية والبصرية، وبصفتنا الباحثين عن الكُتب المسرحية ومصادرها كي نحصل عليها عبر استعارتها أو اقتنائها فيكف يكون الأمر إذا كان الكتاب من فنان مسرحي عمل في مجال التمثيل والإخراج والتأليف منذ نعومة أظافره، وهو يوجهنا ويرشدنا ويشُد من أزرنا عبر فرقته المسرحية المعروفة في فترة السبعينيات، ونحن كنا صغاراً نحب أن نلعب لعبة المسرح عبر سمفونية يتخللها العذاب، والفقر، والمتعة التي أحسسنا بها، لأننا كنا نضع ما في جيوبنا من أموال على عروضنا المسرحية التي كانت تعرض في مدينتنا التي ظهرت منها أسماء مهمة في خارطة المسرح العراقي الآن.

قاسم ماضي

 

 

 

هذا الكتاب الذي أهداني إياه الكاتب والفنان عبدالسادة جبار، وهو ليس بكتاب بل هو تاريخ مشترك لحياته الخاصة التي تبناها هذا المبدع الذي يشتغل بصمت، لكن بطريقة نص مسرحي، ولأنه يعمل بصنعة وحرفة في كل ما يقدمه من إنجاز فني، ولصوص المخبرين السريين ينتشرون وخوفاً منهم بتقاريرهم التي أعدمت العديد من أصدقائنا وأصدقائه، ومنهم الفنان المبدع رعد شوحي، توقف نشاطه الثقافي منذ عام 1979، وهذا التاريخ هو تاريخ أسود في حياة العراقيين، ولا داعي للخوض في تفاصيله المؤلمة، وجاء ليقول لنا ومن خلال بداية صفحات الكتاب إنني أتمسك بحقوقي كمؤلف مسرحي بنصي هذا.

ومنذُ هذه اللحظة دخل معنا في صراع مع من يحاول إخراج نصه المسرحي المعنون “كوابيس الأبيض، وبيان يقظته الأول” رافضاً موت المؤلف، رافضاً كل سياقات بعد الحداثة والتي تقول “موت كل المهيمنات والسرديات الكبرى والايديولوجيات، وعند العزم على تجسيده في عرض ننبه إلى مراعاة الافكار والأحداث الرئيسية فيه، نرجو عدم تغيير القصد بحجة التفسير المختلف، ومن يريد ان يختلف فليكتب نصه بنفسه وعذرا للبعض الذي لم يجد فيه ما يتوافق مع عشقه للتغريب والتجريب أو التخريب (للواقعية)”.

هذا النص هو ما يحدث في أرض العراق وخاصة ما بعد الاحتلال الأميركي الذي عمل على تشتيت المفكرين والعلماء وقتلهم عنوة عبر شخوص واقعية ومتخيلة مما ساهموا في محاولة منهم في تجفيف المستوى العلمي والثقافي، وزرع نواة الطائفية المقيتة التي نعاني منها بعد أحداث عام 2003، فجاءت الشخصيات ومنها “الدكتور سعيد، والدكتور جعفر، وخالد، لتوضح لنا عظم المأساة التي لحقت بنا وبالمجتمع العراقي.

هذه الحوارات التي دارت بين هذه الشخصيات الثلاثة “اللقاء” هي نقطة البداية في وضع اللبنات الأساسية في نصه المسرحي، وهذا ما يسمونه في المقدمة المنطقية للمسرحية، وهي المقدمة التي يهدف كل شيء في المسرحية من فعل أو قول أو حركة إلى أثبات صمتها، وهذا الولوج في عالم الشخصيات عبر حوارات قصيرة ومفعمة بالفلسفة وفيها صورة واضحة للتشتت والضياع ، ماذا يقول الدكتور سعيد “انا هنا، أنا الهدف، قولوا لمن أرسلكم بأن دماء الأبيض، ليست حمراء لن ترتوي عيونكم، أنا بالانتظار، لن تجبروني على الرحيل، أو البيعة لن أبايع، لا أمية، ولا بني العباس، لا لن تروا مني بعد اليوم، لا منجنيقا ولا ساعة دقائقه”.

وهذه الواقعية التي أسس لها وخرج بنصه الأدبي في الكثير من “الثيم” التي تصب في واقعنا الحالي الذي يسودهُ الجهل والموت الذي عايشه الكاتب وهو الذي يقول عاودت العمل في عام 2003، هذه الشخوص التي شخصها على ورقه الأبيض من الفكرة إلى بناء شخصياته المعبرة والفاعلة، هذا التجديد والإبتكار وخلق عدة “أزمات” كي يتلاعب بنا وفق معطياته السردية والحوارات الأدبية.

ولأن هذه التجربة ليست الأولى في كتابة النص المسرحي وفي السياق نجد نقاشا ً بين شخصيتين رئيسيتين هما: د. جعفر ود. سعيد، وكذلك مع شخصية خالد الذي تمثل شخصيته الجيل الجديد والحوار هو حيث يقول د. جعفر: “ليس بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك”. ثم يستطرد ويقول: “طال الانتظار للحلم تجرعنا العلقم متنا ونحن أحياء، انتظرنا من يزف لنا اي نوع من التغيير، إرحل من هذا المكان قبل أن نقرر نحن من الدنيا رحيلك. يا إبن !!!!).

هذه الحوارات هي انعكاس لذات المؤلف الذي حاول اطلاق مشاعره عبر جدل فكري يحمل الكثير من الاسئلة، وسبق أن كتب مسرحيات نذكر منها “نقطة فاصلة، قطرة ماء، خيمة الأرض”. وهو يمتلك المهارات الاساسية في كتابة المسرحية والتي عمل عليها في سبيل إيصال أفكاره التي هي تشاكسه كي يفصح عنها، وكما هو معروف بأن التأليف المسرحي فن من الفنون التي لها قواعدها العامة الثابتة وخطوطها الأساسية التي يجب أن تتوافر كلها في المسرحية، ولأنه مؤمن بالنص المسرحي وبتأليفه بالرغم من انه لم يأخذ فرصته في انتشاره عبر مخرجين معروفين كي يوفروا الفرصة له ويساهموا في تقديم أعمال مهمة ولها صدى كبير في المسرح العراقي.

ولأن التأليف المسرحي علم من العلوم منذ عهد أرسطو، بل هو كان علماً غير مكتوب، وكان حاسة سادسة عند اسخيلوس وسوفوكليس، وغيرها من أساطين الكتاب المسرحيين اليونانيين، وبالتالي أدعو كل من له علاقة في العمل المسرحي أن ينتبه للمبدع والكاتب عبدالسادة جبار، وخاصة في هذا النص الذي يدُخلنا في متاهات هذا العصر ومشكلاته التي ألمت بنا وبه، لكنه حالم بفراشاته التي لا تفارقه من خلال شخصية الدكتور سعيد، وهو يقول، “لقد خفّ وزني، لم اعد ديناصورا، انا حمامة، انا فراشة، مهيأ للطيران”.

بقي أن نقول إن مسرحية “كوابيس الأبيض” من القطع المتوسط ويقع في 100 صفحة، ويرجى إعادة طباعتها وتسويقها عبر دار نشر مهمة.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان