مصطفى الموسوي
ام كلثوم
إنبثق فجأة من قعر الذاكرة الى سماء الوعي، مكان اثير يحتل زاوية في تلافيف الروح ، قاده الحنين (الى حيث) الرائحة العطنة واللزوجة الدبقة التي لم تغيرها السنين، دهليز طويل يقوده الى فسحة تراصت عليها (الارائك) بشكل متقاطع ومتوازي وجهاً لوجه وظهراً لظهر. عصي على الزمان هذا المكان وهذا الصوت الذي يملأ الحس والشعور، الصوت كيان يملأ فضاء المكان ولاعلاقة للداخل بالخارج، وجوه ترهلت على معالمها اثار ذلك الزمن القديم حيث التقى بهم هناك
– دون جوان من الطراز القديم من ذلك العهد الذي كان فيه اصطياد المرأة او التعرف اليها مغامرة يحسب لها الف حساب ..ذلك العهد الذي كانت فيه الجرأة الذاتية مقياس لما تحصل عليه من اللذات …
كان صوت ام كلثوم ينسكب في لوعة (وايه يفيد الندم)
– الاخر كان مجرماً من الطراز القديم يجلس الآن في المقهى معلقاً مصير اللعبة برمية زهر النرد- فهو مازال مقامراً يلعب لعبة الحظ (كبروفة) قبل اللعبة الكبرى..
– الثالث حزبي قديم طالما اقترن اسمه بمآسي الكثيرين – يبدو ان العهد الجديد لفظه الى المقهى كمحطة استراحة قبل ان يغير جلده..
طالما وجد نفسه على نقيضهم جميعاً الدون جوان والمجرم والحزبي… والآن يلفظهم الزمن بمجموعهم كذبابة الى هذا المقهى القديم.
قارع الدرامز
حين وصل الى موضعنا كان لايزال حالماً، معتقداً أن الأمر لايعدو كونه نزهة واستكشاف لعوالم جديدة، في أول الامر بدأ يقرع على كل شيء يجده أمامه، صينية، اناء ، صحن الأكل (القصعة) ، بطانية، أخمص البندقية .. بعد حين بدأ قرعه يفقد معناه واصبحت رتابته ممجوجة بعد أن استبدت به الكوابيس.
فارس كنعان قارع الدرامز في فرقة (DANGER BAND) كان الموضع ضيقاً بالنسبة لاحلامه الصغيرة وغير محتمل بالنسبة له، لكنه عرف أن هذا العالم كان فسيحاً بمافيه الكفاية ليعلمه أن الطبيعة مقاتلة بطبعها وان تكون مسالماً شيئاً مخالف لطبيعة الامور.
كما تعلم ايضاً أن الدنيا ليست رقصاً، وإنما هي حرب وموت دائم نحياه خيبات متتالية ملء الشرايين والاوردة، وهي ليست ضرباً على الدرامز ضمن جوقة موسيقية، كما انها ليست استنساخاً أو لحناً نشازاً لمعزوفة غربية، وهي ليست اغنية لتينا جارس اوجورج مايكل او جون لينون، انها انثراكس وجراثيم وكيمياوي وقذائف تطين وجه الحياة وتصبغ الدنيا بلون الدم ولاتعتبر الانسان اكثر اهمية من الجرثومة.
في هذا الموضع المتواضع في قاطع مجنون اتسعت تجربته بما يكفي ليدرك وهو يبحلق في صورة السيد مالك المعلقة على جدار الموضع، أن تينا جارلس هي وجه واحد من الوجوه الذي يمكن أن يتحملها هذا العالم وليس الوجه الوحيد.
وحين تشظى رأس فارس كنعان عازف الدرامز الذي شطب تاريخه ونسف وجوده وكيانه وانتهى الى جثة هامدة لم تدفن ضمن طقوس ومراسيم كانت الجثث مبعثرة حوله بشكل رائع والدماء لم تكن دماء بل كانت طين أحمر والأجساد خزف محترق وكان الجمال له معنىً ووجهاً آخر غير ما أعتاد عليه.. وكان عليه أن يعرف ان الموت هو الوجه الآخر للحياة.
عاشق مثقف
هو: على هذه الأكتاف من غبار المعارك ماينوء بحمله مئة فارس من فرسان العرب في الجاهلية، لقد تركت الإدعاء والغرور وقلدتني التجارب نياشين الحكمة من صمت ومكابرة وحزن.
هي كانت مشغولة بالتطلع في المرآة الصغيرة تحاول ان تعالج احمر الشفاه.
هو: صامتاً أُعلن حبي
قالت وهي تضع المرآة في حقيبتها: لكنك تتحدث كثيراً!
حين غادرته الى السيارة السبورت التي يقودها شاب مودرن، كان صوت الموسيقى الذي ينطلق منها لاعلاقة له بحروب داحس والغبراء.









