ثقافية

(قصة وطن) للكاتب ميثم السعدي… مسرحية تغطي مساحات القلق النفسي والخوف من المجهول

قاسم ماضي

 

يشتغل المسرحي والكاتب العراقي ميثم السعدي على مشروعه الفني، منذُ أن عرفتهُ في معهد الفنون الجميلة في فترة الثمانينيات، وهو حريص على مواصلة التقصي والبحث للوصول الى نتائج ملموسة، وهو الآن يتوج آفاقه الجديدة التي يحلم بها بأن المشاهد يستطيع أن يتابع عرضين مسرحيين مختلفين على خشبة واحدة وفي وقت واحد ليؤكد بمشروعه الجديد الذي اشتغل عليه عبر مخاض ورؤية لتشكل إضافة تخدم المسرح العراقي وهو “ثنائية العرض المونودرامي المزدوج”، والذي يقول فيه “سأقدم مونودراما بطولة ممثل، ومونودراما بطولة ممثلة، وكل نص مسرحي يتحدث عن موضوع مستقل عن الموضوع الآخر.

 والذي يفتش في نصوصه المسرحية ومنها مسرحية “قصة وطن” يجد روح المثابرة، والأشتغال على توصيل أفكاره بطريقة مختلفة وبحوار مقتضب فيه الكثير الكثير من الدلالات والطلاسم والشفرات. وبالتالي نسعى إلى تفكيكها عبر قراءة تأملية وتحتاج منا المكوث طويلاً أمام نصوصه التي أرادها أن تخرج هكذا، وهذه الكتابات التي يروج لها السعدي وهو بعيد عن الوطن عبر صفحته في “الفيس بوك” ومراسلاته مع المعنيين بالشان المسرحي، ليؤكد لنا أنه متواصل في مشروعه الكتابي والفني، ومسرحية مثل “قصة وطن” التي أرسلها لي عبر بريده الإلكتروني، والتي تكشف الوضع العراقي الحالي والماضي الذي مررنا به عبر آلية جديدة، تضعنا أمام عدة أسئلة مهمة حاول من خلالها أن يناقشنا ويدخلنا في فضاء نصه الأدبي، ولأنه قاص ويمتلك أدبيات السرد المكثّف فحاول أن يقول هذا البيت العراقي هو “البيت المتحد مهما تشاجر الأخوة” وهو يؤكد الذات التي سلبها من تولى سدة الحكم.

 هذه الأسئلة الكثيرة والتي طالبنا بها بأن نتخلى عن الطائفية المقيتة، وأن نتخلى عن القيم القديمة التي أورثها البعض عن طريق موروثات يجب أن نقرأ عليها سورة الفاتحة لأنها زرعت الفتنة بين أبنائنا عن طريق كتابة التاريخ بطرق مختلفة ليوصلونا إلى ما نحن عليه الآن من موتٍ، ودمٍ، وتشريد أرادها الاستعمار القديم، والاحتلال الأميركي الذي أدخل النفاق والموت والطائفية التي يرفضها السعدي، وهو يعتقد من خلال جدليته هو التركيز على الصراع القائم الذي فرضه الإحتلال بين أبناء عراقنا الذي أتعبته الحروب، وها هو يقول من خلال شخصية البطل “الرجل”:

 لا أهتم، ملايين الموتى، وأنصاف الموتى! والمفقودين! لا تهتم

 نحن كنا هنا في هذا العراق، نصرخ ونبكي ونجوع، ونمضي متعبين،

 ثم يكمل الرجل: 

وإذا بنا أكثر مأساوية، وأكثر خزياً وعارا، حين ظهرت سادية المحتل! وسادية القتلة، وصور التعذيب والمفخخات، والذبح على الهوية، واختطاف الأبرياء، واختطاف الفتيات، واغتصابهن.

 يكشف في المشهدين ومن خلال تصوراته التي عمل عليها عبر خطاب سيميائي مدجج بالعلامات والدلالات لكونه كاتبا وممثلا ومخرجا أن يصور مأساة “الوطن” الذي يحتضنه في غربته ولم ينم له جفن من جراء هذه العصابات التي تجول وتصول في أرضنا الطاهرة، وفي هذه المنودراما التي لها بداية، ووسط، ونهاية والتي تحمل كثيراً من مقومات العمل المسرحي الذي ظل في ذاكرتنا عالقاً عبر حوارت رطبة تغسل بعض من الأدران العالقة في ذاكرة متعبة ظلت تبحث عن قصيدة أو أغنية كي تزيل هذا الهم المتراكم، ليس هذا فقط بل أنه يطرح فكرة إنسانية من خلال “شخصية الرجل” صاحب الأسئلة بالرغم من تفرده بالحوار الذي تنفس به السعدي كي يعبر عن مكنوناته الداخلية، والدليل هو ما يقوله “الرجل”. 

اه .. ذكرتني بالماغوط، حيث يقول وكأنه يصف حالتنا، من كسا جلدك بالقبلات، وزّينه كالستائر الأندلسية أنا؟ أنت؟ أنا وأنت يا حبيبتي حطّابان مقروران في غابة بائسة، كل منهما يحمل فأساً قاطعة كحد السيف، ونهوي عليها شجرة شجرة، وغصناً بعد غصن، دون أن ندري يا حبيبتي، أن هذه الغابة هي حبنا!

 هكذا نصوص تكشف عن أول التحولات ولا تتوقف عند حدود الحديث عن الوطن، فإننا لا بد وأن نتوقف عند هكذا نصوص لأنها تتناول موقف الكاتب مما يحدث لوطنه الأم، وأن أي عمل مسرحي يمثل موقفا ًمن هذا العالم وبالتالي تشكيل الواقع بالصورة التي تحقق رؤية خالقة ومبدعة ومفجرة للأفكار عبر شخوصه التي اقترح صياغتها من خلال رؤيته الخاصة للحدث الذي تبناه، وخير دليل شخصية “الرجل”.

 والمعروف فإن فن المونودراما من الفنون الصعبة والمعقدة، ذلك لأنه الفن المسرحي القادر على سبر أغوار النفس البشرية، وأغوار العقل وجعل هذه انعكاسات تأتي من الواقع، ونجد السعدي بسعيه الدؤوب وتوقه لترسيخ تجربة مسرحية ناضجة كشف عن حواراته التي قالها عبر جمل مكثفة وفيها من العمق والدلالات المهمة لحياتنا التي تحولت إلى انكسارات بعد دخول الاحتلال، وأثناء وجود الدكتاتورية.

 وفي هذا النص استغنى السعدي عن الفصول واختزال الزمانكية وهو يعالج هذا الموضوع الذي تحدثنا عنه ونحن بأمس الحاجة إليه، وهو يلج ويخترق عالماً نفسياً شعورياً بالرغم من بعض الفجوات في هذا النص.

 ويظل السعدي المنفي قسرا يحمل الوطن الذي غادره في روحه وعقله.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان