ثقافية

قصص قصيرة جدا

ابراهيم سبتي 

اهتزت القاعة من دوي تصفيق وصراخ وتشجيع المتفرجين المذهولين.. الرباع يحمل أثقاله بذراعين قويتين، اهتزت لهما الأجساد متمايلة مسرورة.. ينظر بعينين تدوران حول القاعة لكنهما تحطان عند الصف الأول من المقاعد القريبة من المنصة الخشبية التي يقف عليها مزهواً.. نظراته تحدق بهؤلاء الناس الذين يجلسون على بعد متر واحد منه.. نظرات ملؤها الترقب والقلق أو هكذا بدا لهؤلاء المتفرجين الذين لم يتوقفوا عن الصراخ والتصفيق.. الرباع يحمل أثقاله، يتنقل واثقاً يميناً وشمالاً فوق المنصة.. مرة من هنا وأخرى من هناك.. قوي، مفتول العضلات، جسد ضخم مخيف، يضع أثقاله بمهل على الأرض ثم يرفع يديه ملوحاً بهما لجمهوره الصاخب فيتعالى صراخهم وتشجيعهم أكثر أكثر.. ثم يعود رافعاً أوزاناً جديدة وسط الأنفاس المحبوسة والوجوه المبهورة.. يرفعها يومياً وبأوزان أخرى جديدة.. رمقة أحد الجالسين في الصف الأمامي ثم نهض وسار خطوة نحو الرباع.. خطوتين، تقدم من الرباع الذي كان مزهواً بأثقاله، يهتز طرقاً للتصفيق والصفير الذي لا ينقطع.. تقدم نحو البطل المفتول العضلات، حبست القاعة أنفاسها.. سكنت الأرواح ترقب ذلك المشهد، توقف الرجل أمام العضلات المرتفعة كالتلال ثم طلب من الرباع إنزال الأثقال.. صرخ بوجهه.. أنزلها إن كنت بطلاً! فران السكون في القاعة التي كانت هائجة قبل دقائق.. أنزل الرباع أثقاله وسط حيرة الجمهور الذي نهض واقفاً.. رجع الرباع إلى الخلف مرتبكاً، فنزع الرجل أقراص الأثقال بخفة ورمى بها في فضاء القاعة، فتطايرت قطع الإسفنج سابحة فوق الوجوه المبحلقة بالرباع الذي توارى خلف الكواليس.

الصورة 

نحو صورته المعلقة، مد ذراعه المرتعشه.. تحسسها كمن يتحسس جثة هامدة.. رجع قليلاً.. ثم نظر بإصرار إليها.. كانت تحمل نفس هيئته.. نظر في المرآة، ابتسم بحذر.. تأمل.. تصاعدت زفراته من صدره المجوف وتنهد بحيرة وارتباك.. شعر بثقل رابض على جسده، لم يستطع الحركة، تجمد في مكانه.. كأنه تمثال فوق السرير.. الصورة راحت تغير من شكلها كلما مر عليها زمن.. ابيض شعره في الصورة وانتشر كنتف الثلج، تيبس وجهه الضامر.. صامتاً ظل يرسل نظراته نحو الجدار.. نحو الصورة.. شعر بأن زمنه توقف ولم يتحرك لحظة واحدة، جسده مثقل تماماً.. حاول بيأس وزعق بلوعة.. اعترته نوبة صراخ عنيفة، لا أحد يسمعه.. لا توجد غير جدران تردد صرخاته.. يغرق في هذيانه.. الصورة تكبر والتواريخ تتوالى.. مد ذراعه ليمسك بالمرآة الجاثمة أمامه.. أمسكها بعد عناء.. قربها ونظر فيها.. صدمته المفاجآة.. كل ركام السنين الماضية لم تغيره قط.. هيئته على حالها، شكله كما هو.. الصورة هي التي تتغير.. صار فيها رجلاً غريباً لا يشبهه بشيء سوى اسمه المكتوب في الأسفل. راح يمد خيوط ذاكرته الهشة ويسير فوقها مترنحاً.. ذاكرة تعج بالأشياء، يخزن فيها آلامه وخوفه من تسلل آفة الانقراض لبقايا عائلة صغيرة كانت بالأمس مرتعاً لجموح خيالاته المندفعة برغبة المكوث في بيت صغير يضم أباً قاسياً وأخوة طيبين.. يرى أقرانه يكبرون بسرعة مذهلة وهو باق على حاله..

يتذكر كلما مر ذلك بخاطره بأن السنين لم تمر.. تجاوزته وتركته مركوناً في زاوية خفية من العالم لا يربطه به سوى الصورة المخيفة.. عينان مفزعتان، رأس كبير ينبت فوقه شعر أبيض كعيدان جافة، وجه مرعب، نظراته مشدودة، متحفز للوثوب في أية لحظة.. ذعر من صورته.. انتفض من مكانه مرتجفاً فلاحقه عجزه، تخلص بصعوبة ومشقة منه.. رفع الصورة من مكانها ورماها بعنف فتكسر زجاجها وتشظى في كل مكان. أمسك إطارها الخشبي ووضع رأسه المحنط وجلس يحملق في الجدار بصمت.. 

صوت

كانت الحافلة تشق الطريق الخارجية ملتهمة مسافات أخرى تضيفها إلى ما قطعته في رحلتها البعيدة المتعبة، عندما انطلق صوت مدو رهيب أيقظ وعلى الفور بعض الركاب النائمين، فيما صرخ البعض الآخر بخوف وذعر خشية ما سيحصل لهم.. وحده السائق ظل ينظر إلى الأمام دون اكتراث، لكنه وبعد دقائق أوقف السيارات بطلب من المسافرين المذعورين.. ترجل ومد جسده مستلقياً أسفل سيارته فيما راح الركاب ينزلون بالتتابع لرؤية ما حدث، ارتفعت بعض الرؤوس تراقب السماء الزاحفة نحو الغروب، بعد برهة صمت خرج السائق مكتئباً وهو يشير لهم بالصعود.. تحركت السيارة كانت ترترة المحرك أكثر عنفاً ورعباً، التفت إلى الخلف فرأى الركاب قد وضعوا أياديهم على أذانهم.. تمتم في سره بعض كلمات ثم وضع يديه على أذنيه تاركاً سيارته تخترق حافات الطريق الترابية، لتختفي في مستنقع ملحي يمتد تحت الغروب النازل على المكان.

سباق

استلقى المتسابقان تحت الشجرة الكبيرة وراحا في غفوة قلقة، ثم نهضا متأهبين لإكمال السباق الذي بدأ منذ ساعات، انطلقا بأقصى ما لديهما من قوة حتى اختفيا في الأُفق البعيد، بعد ساعة وصل أحدهما إلى الشجرة الكبيرة واستلقى ينتظر زميله لمواصلة السباق ثانية..

تبادل

ظله وحده الذي يطارده.. وحده يشاطره رهبة الطرقات في ليل أسود مخملي.. ليل كذئب أسود جائع يبتلع خطواته الثقيلة تحت رشقات أضواء الأعمدة المتباعدة، وضوء القمر النازل بهمس يصطدم بالجسد ذي اللهاثات المتخفية خلف صمت مطبق يلتف حوله.. حول بقاياه.. حول عظام تجمعت في هيكل هائج متحفز للانقضاض على ظله الشارد أمامه، ظل يرسم على الأرض شبحاً فوق المكان برمتهمدى أمامه.. طويلاً ليست لـه نهاية فتتابعه عيناه المذعورتان بقلق يثير في نفسه الرغبة في التخلص من خصمه الملاصق له، توقف فجأة فتوقف ظله، ركض، ركض معه، صار يعدو ويتوقف، أنهكه التعب، تطلع إلى ظله بازدراء، ثم ركض مرة أخرى متلفتاً حوله وفي نفسه تكمن رهبة الليل المتربع أمام عينيه يتهاوى المدى وتنزل خيوط ضوء القمر المرتعشة على أسفلت الطرقات فتتشظى كنيزك ساقط.. توقف.. انحنى وأجهش بالبكاء، نظر إلى ظله الذي انحنى هو الآخر وراح يبكي مثله، بعد لحظات قفز الظل أمامه وانتصب واقفاً يضحك على صاحبه الذي تمدد على الأرض ليصبح ظلاً لظله.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان