ثقافية

في رواية بوصلة غضبان بن شداد… ازدواج الشخصية وملامح الرؤية الإبداعية

عبد الهادي والي

 

في بداية تسعينيات القرن المنصرم ، وفي ظل الفوضى العارمة التي اجتاحت الوطن ،يبدأ زمن رواية(بوصلة غضبان بن شداد ) للروائي حسن عبد الرزاق ،  وهي تحدد مسارها السردي عبر راو عليم وبتقنية عالية ولغة مكثفة تنثال مفرداتها بانساق ترتصف بعناية ،  لترسم مشاهدا كوميدية باكية تعززها بوصلة تحدد وتلتقط ماخفي وماظهر من جزئيات ذلك الواقع المبعثر الذي عبثت به اقدار ماحقة ،  يقود زمامها اناس فقدوا الدفة فتاهت السفينة في امواج متلاطمة لتكون الريح هي الموجه الوحيد لمسارها المتخبط .

فبقدميه المبسطلتين يلج غضبان بن شداد (الشخصية المركزية) عالم الرواية ، وبعينين جائعتين وقلب يتخذ من الجسارة سبيلا للوصول الى اهدافه واشباع حرماناته العديدة مستغلا عتمة الاجواء ليجوس في عالم اراد من خلاله ان ينفد الى غايات لم يحققها المكان ولا الزمان اللذان عبثا به من خلال تخبطه في اتخاذ القرارات الصائبة .

يقول ستيفنسن (( ان الانسان سيعرف لاحقا تعريفا مطلقا في النهاية بانه محض هيكل يقطنه سكان متنوعون ومتنافرون ومستقلون))

فحين اجتاح رجال الانتفاضة الشعبانية المدينة الساكنة الا من اصوات الاطلاقات ودوي الهتاف الغاضب ، لملاحقة ازلام النظام الفاشي  وهم يلوذون كالجرذان خلف امكنة غير معلومة ، كان غضبان ،الجندي الهارب، قد تناغم مع تلك الاصوات الهاتفة بالويل والثبور لمن يعترض طريقها .لكنه في حقيقة الامر لايستطيع التخلي عن قرينه ، تلك الشخصية التي تسكنه والتي تحركه باتجاه الشر ليندفع منذ اول صولة له باتجاه احد المصارف من اجل سرقته :

((اخترق غضبان تلك الدمدمة بحركات متعرجة واستتارات مؤقتة تحت سقوف البنايات ، ثم وصل الى باب المصرف ، وصعد شاقوليا الى الطابق الثاني ، حيث توجد القاصة ذات الدنانير العظيمة))

لقد عكست الرواية تلك الاحداث باسلوب لعبت فيه اللغة دورا كبيرا وهي تستعرض قدرات المجاز والاستعارة في تلوين الجمل والعبارات بالوان من البلاغة الاسلوبية التي كسرت مباشرة السرد  ، وحلقت في فضاءات الدلالة واشتقاقاتها .

في رواية الكاتب الانكليزي ستيفنسن ((الدكتور جيكل والمستر هايد)) رسم الكاتب تفاصيل وانشطار الشخصية الروائية وازدواجيتها من خلال انفصالها الى شخصيتين متنافرتين .حيث مثل الدكتور جيكل الجانب المضيء من الشخصية الانسانية بطيبتها ونبلها ، فيما عكس المستر هايد شخصية القرين ، تلك الشخصية المزدوجة الشريرة في اجلى صورة ليؤكد الكاتب غلبة الصراع والانشطار في النفس الانسانية حيث يسكن ذواتنا الشيطان والملاك معا فلانعلم ايهما الذي يقودنا في دروب مكتظة بالتأزم والاحتدام من من اجل تغليب المصلحة وهيمنة الذات .

ولئن كانت الشخصية في رواية ستيفنسن قد انشطرت الى نصفين مثل احدهما الخير والاخر الشر بابشع تفاصيله فأن شخصية غضبان كان ازدواجها مختلفا ،اذ تجلى بشكل صراع وتقلب في اتخاذ المواقف والقرارات حسب ماتقتضيه  المصلحة الشخصية البحتة ، فمثل بذلك انموذجا للكثير من افراد المجتمع بسلوكياتهم الانتهازية لاغتنام المكاسب حتى وان كانت على حساب ابناء مجتمعهم المقهورين والمساقين كالعبيد تحت سياط نظام دكتاتوري متسلط جاهل .

لقد كان قرين بطلنا في الرواية هو البوصلة التي تحدد مساره ،فمن الهتاف للزعيم في الجموع والمظاهرات المصطنعة التي يحشدها ازلام النظام الى الانخراط الفوري مع رجال الانتفاضة ثم العودة ثانية الى صفوف السلطة وحين انكسرت الانتفاضة عاد الى الجيش الذي لملم صفوفه ليغزو المدن ويذيقها الويلات والقتل الجماعي في عمليات وحشية لم يمارسهاحتى  الغزاة عندما يقتحمون البلدان الغريبة .

كانت شخصية غضبان تمثل الازدواج وانشطاراته المتعددة صوب المنفعة الخالصة ولم تكن تصطرع في داخله شخصية القرين المسالم المحب للخير والعدالة والسير مع مصلحة الجموع المغلوبة على امرها ،بل كان الشر هو المحفز دائما .

لقد برع القاص والروائي حسن عبد الرزاق في تصوير ذلك الصراع والعنف الضاري وتلك الحقبة المظلمة التي تقطر دما وخرابا ، بأمانة وصدق اضفيا على الرواية جوا ملحميا واسطوريا يكاد يقترب من الخيال المحض واللامعقول بسرده لوقائع وتفاصيل ماجرى خصوصا فيما يتعلق بصمود المنتفضين البسلاء من ابناء شعبنا وهم يواجهون اسلحة النظام بصدور عارية عامرة بالشجاعة والتضحية النادرة  في حين  ازاحت الرواية من جانب اخر القناع عن تلك الطبقات الطفيلية المطبلة للسلطة والتي تعتاش على موائده .

يقول امبرتو ايكو :

((ان قراءة محكي ما ، معناه ممارسة لعبة نتعلم من خلالها ان نعطي معنى للاحداث الهائلة التي وقعت او تقع او ستقع في العالم الواقعي . اننا ونحن نقرأ روايات نهرب من القلق الذي ينتابنا ونحن نحاول قول شيء حقيقي عن العالم الواقعي . تلك الوظيفة الاستشفائية للسردية هي السبب الذي يدفع  الناس منذ قديم الزمان الى رواية القصص وهي نفس وظيفة الاساطير . ان السردية تعطي شكلا للفوضى التي تميز التجربة))

لقد عانت الشخصية المركزية(غضبان)من احتدامات الواقع وضغط الظروف القاسية المحيطة به وحرماناته من الاهداف التي لم يكن يحققها الا عبر الخيال المريض ، والذاكرة المتعبة التي كانت تقتنص له بعض تلك المواقف التي يستنيم الى خدرها.

ولم تكن استذكاراته لابيه(( شداد الهواسي ))  وامرأة ابيه المتشفية بانكساراته الا مرجلا يتقلب فيه وهو يخوض عوالم تلك الفوضى العارمة من اندحار الثورة وتلاشي ثوارها وملاحقتهم من قبل مفارز عسكرية شرسة كانت تنفذ اوامر زعيم البلاد وتنقاد الى تعاليمه كالالات الصماء .

لقد تلاحقت خلاصات غضبان من قبضة الموت المحكمة التي فرضتها تلك المفارز الشيطانية عبر مصادفات غريبة واقدار كان ينفذ من خلالها الى بر الامان ليعود ثانية الى فخها لتلقي به الى كرفانات وجدران الاعتقال المظلمة الخانقة .

وحين يصدر العفو ((كهبة تهبط من السماء ))للجنود الهاربين يجد غضبان فرصة الانخراط به ثانية والخلاص من عقوبة الاعدام فيعود ثانية يحلم بنيله وسام الشجاعة من قبل الزعيم ، حيث يذهب في حملة عسكرية لمهاجمة احدى القرى الجنوبية التي لاذ فيها (حسين الصايل ) ذلك الشريف المقاوم الذي رافق غضبان يوما ما وتخلصا معا من المفارز العسكرية بعد اقتيادهم بسيارات كبيرة للعاصمة .

لقد ترافق الاثنان في في رحلة الهرب بعد تعرض السيارات الى هجوم مباغت من قبل الثوار ووصلا في النهاية الى قرية يسكنها اقارب حسين الصايل وتعاهدا سوية على الانضمام الى صفوف الثوار وقبل انبلاج الفجر تسلل (غضبان) كلص من الدار التي ضيفته وعاود انخراطه في جيش النظام  ليعلن الندم ويخون صاحبه .

وتاتي المصادفة الغريبة من خلال هجوم غضبان مع مجموعته العسكرية ليصب عليهم حسين وجماعته وابلا من النيران المحرقة فتكون نهاية غضبان نهاية لتلك الانتهازية المتربصة لصيد المغانم :

((لكن بارود حسين الصايل وجماعته الكامنين خلف الجذوع المتراصفة ، المنتظرين حلول لحظة الصفر بصبر نافذ .. البارود الذي هب على حين غرة من قلب البساتين (بساتين الشهلان) اسقط الوحش المستثار من ظهر الزوبعة الى ارض الخمود ، وجمده في مكانه،  وصبغ شعاع الوسام المغري بدخانه الاسود ، ثم اندفع الى عمود غضبان الفقري واستقر في احدى فقراته المهمة ، ليوجه بوصلته هذه المرة الى الابد نحو اتجاه واحد فقط ، لايمكن لابن شداد الهواسي ان يغيره قط))

لقد استطاع الروائي حسن عبد الرزاق ، وبمهارة فائقة ، ان يدير الحبكة ويسدل الستار على احداث روايته  هذه ، من خلال احكام المضمون ،ليحقق المعادلة في تعاضد البنيتين الفنية والفكرية بانسجام لايطغي فيه جانب على اخر، ولتكتسب الرواية مشروعيتها في النفاذ الى الذائقة  عبر الايحاءات والانزياحات اللغوية المبثوثة في ثناياها ، و عبر استهلال متقن يشد المتلقي للمتابعة .

ان بداية الرواية كما تقول سوزان لوهافر هي (( نقطة  ذات صدمة وجودية عظمى)) وهذا هو اذن شأن الاستهلال كملمح يشترك مع العنونة في اثراء النص واستقطاب القراء لولوج عالم الرواية .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان