ثقافية

تكاملية الأضداد في 'أشياء عادية في الميدان' … السيد نجم يدمج العام مع الخاص وينزل إلى العوالم الخاصة لشخوص الرواية

ليس الروائي محض ناقل لوقائع وأحداث مجردة، وإنما هو مؤرخ إنساني ينقل بدقة المرحلة التاريخية بأبعادها الإنسانية كما يعايشها أصحابها، فهو مؤرخ وباحث وسيكولوجي ورجل إجتماع يطمح إلى إصلاح مجتمعه بتجسيد مثالبه والمتغيرات التي تطرأ عليه ليقف مكاشفاً لواقع مجتمعه، مجسداً لآماله وطموحاته ومخاوفه. ورواية “أشياء عادية في الميدان” للسيد نجم تعد نموذجاً للرواية التي تؤرخ لمرحلة تاريخية هامة في تاريخ مصر، وهي ثورة 25يناير؛ وليست الرواية سرداً أجوف يشتمل على حقائق تاريخية صريحة، بل يدمج الكاتب العام مع الخاص وينزل إلى العولم الخاصة لشخوص الرواية كي يصور مردود الثورة الإجتماعي والنفسي على الشخوص بدلا من أن تبدو حقائق تاريخية طافية في الكتب بعيدا عن أرض الواقع. ومن ثم يبدو النسيج الروائي شديد التواشح لأنه لا يصور مواقف منفصلة لشخوص من خلفيات اجتماعية مختلفة، وإنما يصورها كشخوص فسيفسائية ومشاهد متراتبة مجتمعة مكان روائي واحد – الميدان.

 • بنية الرواية

 لا يلتزم العمل الأدبي علمية التأريخ الصرفة وترتيب الأحداث الزمنية، فالرواية التي تتألف من عشرة فصول تكسر إطار التاريخ الصلد عبر سريان الأحداث في حركة دائرية تعتمد على الاسترجاع. تبدأ الرواية بـ “الفصل الأخير” ثم الأول والثاني.. حتى الثامن، إنتهاء بـ “الفصل قبل الأخير”، فتنطلق الرواية من مشهد داخلى للشخصية الرئيسية “سري” الذي يلحظ تغير ملامح وجهه في المرآة وتحسن علاقته الزوجية إثر عودته من الميدان، ثم يعود الراوي بالأحداث إلى مقدمات ذهابه إلى الميدان ثم تحوله إلى شاهد عيان على وقائع الثورة وتطورها على أرض الواقع وصولا إلى عودته إلى بيته ولقائه زوجته.

 تحيل بنية الرواية الدائرية إلى الشكل الفيزيقي الميدان – كدال على التحرر من الأسر والثورة والدعوة إلى التغيير. إنه يشبه حلبة المصارعة، وقتال الإنسان ليكتشف ذاته وليتعرف على هويته ونقاط قوته التي طمستها الأنظمة الإستبدادية.

 • المكان الروائي/ الميدان

يقدم الميدان تجسيدا للواقع المصري من خلال عدد من الأنظمة البنيوية ينسجها الكاتب في ثنائيات ضدية شديدة الحبكة متداخلة كالحلقات، فنجد عناصر النظام الأبوي جنبا إلى جنب مع الشباب الثوري، وتتلاقى الأجيال، الماضي مع الحاضر، ويتداخل عالم الواقع مع عالم الإفتراض، وعلى الرغم من إتصاف هذه الثنائيات بالضدية فيما بينها، إلا أن هذه الثنائيات وبوصف الرواية منتمية إلى تيار ما بعد الحداثة، تندمج ولا تظهر تنافراً بقدر كونه نوعاً من التكامل والتلاحم، وهو ما يجسده عنوان الرواية من مفارقة – “أشياء عادية في الميدان”- فمن الأشياء العادية أن توجد الأضداد جنبا إلى جنب في الميدان، بل من الممكن أن نقول إنها من الأشياء التي تحدث فقط في مصر.

 يقول الراوي عن أحد المشاهد في الثورة: “مقبرة مغروزة بصور الشهداء، محاطة بسور من الحبال الملونة، مجللة بعلم كبير لمصر.. وبعض الزهور البلاستيكية، هنا وهناك.. رسوم ضاحكة! لا يحدث أن تكون الضحكات إلى جوار شواهد الموات إلا في مصر!”. فهذه الأشياء ليست عادية إلا في الميدان. مثلها مثل وجود متظاهرين من ذوي الأربعة أعوام، ومن يرسم علم مصر أو خريطتها على جسده، ومن يأتي على كرسي متحرك ليشارك في الثورة، ومن يعقدون القران إلى جوار الدبابات، وهتاف الألتراس، ومن يوازي بين خط القناة مع الميدان. بل إن الميدان يتحدى إطار المكان الفيزيقي ليعطي بُعداً سيكلوجيا طارحا جدلية البيت واللابيت، فيصبح الميدان المأوى الجديد لمن يعانون القهر سواء من زوج الأم أو الزوج المتسلط. فكل له سببه الذي يدفعه إلى التظاهر، تتعدد الأسباب والثورة واحدة، والميدان واحد.

• النظام الأبوي – فئة الشباب

تأتي الثنائية الضدية (النظام الأبوي – فئة الشباب) لتطرح الواقع الثوري وأسباب الصراع بين الطرفين. فعبر المفهوم السوسيولوجي والعلاقة الديالكتية (الجدلية) بين هذين القطبين؛ تتضح الهوة الواسعة بينهما وصعوبة وجود أرض مشتركة. ليست تلك الفجوة معبرة عن الواقع السياسي وإنما الواقع الاجتماعي بشكل عام، فـ “سري” يعاني في شبابه من الديكتاتورية والنظام الأبوي المتمثل في والده وفي كل من لديه سلطة فوقية في مجتمعه التراتبي.

 يقول عن والده: “مرت الأيام، كبرت وناطحته رأيا برأي.. لم يتحمل رأيا يخالف رأيه، ثم أن المجتمع كله يعاني أزمة قبول الرأي المخالف ويصدرها إلى بقية أفراد المجتمع، يقول: “وجدتهم كلهم مثل أبي، من ذوات الأبواب الموصدة.. مديري في المصلحة الحكومية، محصل الأتوبيس الموصل إلى مقر عملي، بائع رغيف الخبز في الفرن المجاور، جندي الحراسة أمام باب قسم الشرطة، مدرسو الحضانة وأساتذة الجامعة.. وكل من قابلت!”.

 وعليه يدخل سري في التيار الأبوي ذاته ويصير أحد تروس هذا النظام المتسلط العتيد؛ فيتحكم في عمل من يرؤس ويدعي أنه الخبير بالأمور، حتى أنه كان يتمنى الولد ليمارس عليه سلطة الأب. وتقدم الرواية في المقابل بنية فئة الشباب الذين يكسرون قاعدة تحكم النظام الأبوي ويضعون حلا لهذا الصراع متجسدا في ثورة 25 يناير، يقول سري عنهم: “مجموعة من الشباب من ذوي الدم الفائر، يعلنون تمردهم.. لا هم فئة بعينها لها مطالب محددة ترجوها! ولا حتى سمعت عن زعيم يلتفون حوله جسدا كان أو فكرة!”. فتحرر هذه الفئة من فكرة الأب/ القائد/ الزعيم/ البطل الأوحد الذي عهدت أجيال الكبار أن تلتف حوله، مما يلفت انتباه المتلقي لاختلاف الوعي بين الجيلين ولا ننسى من كان من جيل الأب يتهم هؤلاء الشباب بالمؤامرة وزج الأيدي الخفية بهم إلى تخريب البلاد، وهذا ليس إلا دليلا على الفجوة الكبيرة بين جيل الأباء والشباب. 

 • الماضي – الحاضر

يجمع الميدان الحاضر الثوري المتمثل في 25 يناير، كما أنه يطرح بُعداً زمنيا للمكان، باعتبار أن الزمن هو البعد الرابع للمكان، وهنا تأتي الثنائية الثانية (الماضي – الحاضر).

 يؤرخ الكاتب لتلك المرحلة الزمنية منذ سعد زغلول الذي تضع امرأة عجوز صورته في شقتها حيث يلجأ الثوار، فهو بذلك يربط حلقات التاريخ الثوري معا. كما يبرز دور الميدان في كونه الشاهد على عدد من الثورات والمظاهرات: في ذكرى نكبة فلسطين وفي أعقاب نكسة 67 وعند ارتفاع الأسعار في عهد السادات، ومؤخرا في ثورة 25 يناير.

 وكما أسلفنا لا يقدم الكاتب حقائق طافية، وإنما ينزل إلى مستوى الأفراد ويجسد في مشهدية عالية روح التلاحم وتلاطم الأفكار أحيانا وانسجامها أحيانا أخرى، ونقل الخبرات من جيل الكبار إلى جيل الشباب، وظهور روح التعاون والعطاء والاندماج في ايقاع العمل الجماعي. وهكذا تتبدل الأدوار من كون سري الخبير بالأمور وأحد عناصر النظام الأبوي الذي يتحكم في الآخرين، ليصبح هو السائل، ويصير شابا في العشرين. فتزول الفوارق بين الأزمنة والطبقات الاجتماعية وهذا هو التغيير الذي يصوره الكاتب في بداية الرواية في مرحلة انسلاخ الجرادة من هيكلها الخارجي الصلد، فيتحول سري من حبيس لشرنقة توفير لقمة العيش ودوامة النظام الأبوي التراتبي إلى إنسان يسعى إلى التغيير والتحرر، يقول: “أقسم أنني مررت في الميدان مرات لا تعد ولا تحصى.. مع ذلك لا أدري أين أنا منه الآن؟! هل تغير الميدان أم أنا الذي تغير؟!”.

 ومن ثم يأتي الاختلاف بين ثورتين من جيل الآباء والثوريين الشباب، فيتعجب سري من توجه الشباب والفتيات الجميلات من المستويات الراقية لتكبدهم مشقة النزول إلى الميدان وتنظيفه والشوارع المحيطة. فعبر استرجاعات سري لمظاهرات الطلبة في الماضي ، يقارن بين شكل الثورة قديما وحديثا، يقول عن شباب 25 يناير: “رأيتهم من ذوات الأكف الناعمة، أرى فيهم من الشبات والشباب.. من ملابسهم المستوردة.. وليست من مصانع القطاع العام؟ بل من لكنة نطق بعض الكلمات العربية.. والمفردات الانجليزية والفرنسية التي ينطقونها؟ من سحنتهم الناعمة، تبدو وكأنها تحمل هالة غامضة وضاءة؟” ومن ثم يلقي الضوء على وسائل الثورة المستخدمة، كاستخدام الأبواق والمنصات والهتافات الجديدة المنغمة التي تضفي نشوة على قائليها حتى يتحول الميدان إلى حلقة ذكر صوفي، يذوب فيها المرئي مع اللامرئي، والجزء في الكل، ويتجرد الانسان من ذاتيته، ولا يتحرك إلا بالروح الجمعى.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان