ثقافية

رواية أبطالها يسندون الحيطان بهشاشتهم الإنسانية

الحقيقة – متابعة

 

حسن المددي هو شاعر وإذاعي مغربي مفتون بالحرف، إصدارُ الدواوين لديه بداهة، وتنشيط البرامج الثقافية في الإذاعات الجهوية وسواس خناس يزيد من حبه للغة العربية وآدابها، إذ له من الدواوين، مثلا، “مسرى الناي” ومن البرامج في إذاعة أكادير الجهوية ريبيرتوار معتبر. وهو حين كتب روايته “ليال بلا جدران” (2014) قد حقق بالملموس تلك المقولة التي مفادها أن “أجمل السرود هي تلك التي يكتبها الشعراء”.

الواقع أن حسن المددي قد خاض في موضوع يكاد يكون بكرا، رغم أن أحداثه الشاهدة ابتدأت منذ حوالي أربعة عقود، في حين أن تداعياتها ما تزال إلى الآن قائمة تَتْرى وتتوارد.

نحو الجنة

رواية “ليال بلا جدران” تخوض في ما سماه رولان بارت “أثر الواقع” والواقع معا، أي في الأبعاد النفسية والاجتماعية التي قد يتسبب فيها حِدْثانُ الأمور بدءا ومنتهى. ذلك أن الرواية تختار فترة سبعينيات القرن الماضي، بما أنها حقبة مفصلية من تاريخ المغرب الحديث، وهي حين تقترب منها تتجاوز قمة الجبل الثلجي العائم إلى الغوص في ما تخفيه الأغوار.

 ولئن كان الكاتب، في هذه الرواية غير معني بشكل كبير بالصراع السياسي الذي كان على أشدّه، آنذاك، بين السلطة ومعارضيها والاضطرابات الاجتماعية والطلابية، مادامت تلك التيمات قد تمّ استهلاكها أو كادت من قبل الكتاب والمبدعين، فإنه يذهب إلى التفاصيل الصغرى التي صنعت الفرق وساهمت، بعمق، في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وتبديل القيم الاجتماعية في كيانات قبلية ظلت إلى تلك اللحظة متماسكة ومنغلقة وغير مخترقة تقريبا. 

هكذا كانت قرية “أيت همّان” الأمازيغية التي تكتسي فيها “الأشياء ظلالا غير مرئية” هادئة صامتة آمنة حتى عكـّرَ صفوها، ذات خريف، خبرُ رغبةِ فرنسا في شبّانٍ مغاربة للعمل بمناجم الفحم لديها. ولأن القرية كانت منهكة بالفقر وتوالي السنوات العجاف، فقد بدا الخبرُ لإبراهيم وعمر وآخرين من شباب “أيت همّان” كما لو أن كوة ضوء ستنير أيامهم الظلماء. 

لهذا سافروا تاركين ديارهم وأبناءهم وأهاليهم، حالمين بالجنة الموعودة، قاطعين عهودا على أن يظلوا أوفياء لذويهم ومساقط الرؤوس. بيد أن الإكراهات والظروف كانت حنـّاثة كما يقال.. صحيح أن الأموال التي صارت تبعثها العمَالة المهاجرة إلى القرية حرّكت بعض الركود التجاري والاقتصادي وأدّت، بالتالي، إلى ارتفاع مستوى العيش لدى بعض الأسر، لكنها أعادت الترتيب في السلم الهرميّ الاجتماعي وأخلت بالتوازنات، فضلا عن إدخالها بعض العادات والسلوكات المرتبطة بمجتمع الاستهلاك.

 وقد وظفت الرواية في رصدها لتحوّلات الشخوص والأمكنة تقنية التوازي عبر لوحات سردية متناوبة على إبراز السيرورات الزمنية والصيرورات المتصلة بالفواعل والأفضية، متوقفة، من جهة، عند معاناة العمال المغاربة، والعرب عموما، في فرنسا؛ وهي معاناة جسدية وعنصرية وثقافية وكيف أن بعض المهاجرين تخلى عن التزاماته العائلية كإبراهيم الذي انساق مع شهواته واستنزف طاقاته لينتهي به الأمر إلى السجن، إثر تورطه في جريمة قتل، فيما الآخرون عادوا إلى القرية، بعد سنوات، منهكين موبوئين منكسرين، كالمُنـْبَتـّين لا أرضا قطعوا ولا ظهورا أبقوا.

 المددي يعيد إلى الحكاية بهجتها، لا سيما وأن كثيرا من الروايات المغربية قد تغافلت عنها على حساب الخطاب

ومتعقبة من جهة أخرى المآلات التراجيدية التي أصابت قرية “أيت همّان”، فإلى جانب الفيضانات، تفشت بين أهلها الصراعات والموبقات.

 كوى الفرحة

 

إن حسن المددي في هذه الرواية يعيد إلى الحكاية بهجتها، لا سيما وأن كثيرا من الروايات المغربية قد تغافلت عنها على حساب الخطاب وصناعة الأشكال باسم التجريب والحداثة، رغم أن الحكي لا يتعارض مع هذين الشعارين، لقد جعل الكاتبُ المحكيَّ بشقيه جميلا ماتعا.

 فالحكاية شائقة رائقة وطريقة سردها محبوكة بصورة تليق بكتابة روائية كلُّ ما فيها متماسك ومتناغم، بل ودال أيضا، بما في ذلك عتبة العنوان ووضعيتا الانطلاق والختام وباقي تمفصلات النص الأخرى.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان