مفيد نجم
عرف شكسبير عربيا ككاتب من أهم كتاب المسرح في العالم، وذلك من خلال الترجمات المبكرة والمتعددة لنصوصه المسرحية، أو العروض المسرحية التي قدمت لأعماله على صالات المسارح العربية. لذلك لم يكن شكسبير الشاعر في شهرة شكسبير المسرحي. ترجمة الأديب جبرا إبراهيم جبرا لنصوصه الأربعين( السونيتات) تعد هي الترجمة الأهم، التي تعرَّف القارئ العربي إلى شكسبير الشاعر من خلالها. الترجمة الجديدة التي نشرها مشروع كلمة بأبو ظبي لكتاب الغنائيات تولى ترجمتها الناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة. الكتاب يشتمل على مقدمة، وأكثرمن مائة وخمسين غنائية أو سونيتة بنصيها العربي والانكليزي، ما يجعل من هذه الترجمة هي الأوفى لغنائيات شكسبير. ينطلق المترجم فيترجمته الجديدة من بعض الملاحظات، التي يسجلهاعلى ترجمة جبرا التي صدرت قبل ثلاثين عاما، لكنه يعترف فينفس الوقت بأنها الترجمة الأكثر دقة في فهم المعنى، وتقديم الصياغة الأنيقة للعبارة. لذلك يختار السير في هذه الترجمة على هدي الأسلوب الذي اعتمده جبرا، من حيث ترجمة جميع الغنائيات، وإثبات الترجمة فوق النص الأصلي حسب تسلسله، مرفقا بشروحات وتفسيرات، تعتمد على أفضل ما كتبه المتخصصون من أهل اللغة الانكليزية.
المصطلح والدلالة
يتناول المترجم في البداية مسألة المصطلح، فيحاول على خلاف الترجمات الشائعة لمصطلح سونيت استبداله بمصطلح الغنائيات، في ضوء تعريفها الذي يتضمن أنها مقطوعة شعر غنائية، قياسا على مصطلح حوارية أوالجدارية. يعيد المترجم الغنائية التي تعني الأغنية الصغيرة أو القصيدة الصغيرة، التي ألفت من أجل أن تغنى في الشعر الانكليزي، سواء من حيث شكلها وموضوعها إلى الغنائيات الإيطالية التي ألفها واحد من أهم شعراء عصر النهضة في إيطاليا هو بتراركا ثم قام شعراء انكليز بنقلها واستخدامها في تأليف متوالية غنائية بعنوان أستروفيل وستيلا. هذا الشكل الجديد من الشعر استهوى شكسبير فقام بنظم قصائد الحب التي بلغ عددها 154 غنائية، وذلك بعد تطوير هذا الشكل إلى ثلاث رباعيات ومزدوجة في النهاية بحيث تعالج كل رباعية منها جانبا من جوانب الموضوع العام لتنتهي بالمزدوجة الختام التي قد تكون تعليقا على الموضوع أو بمثابة حكمة أو خلاصة رأي. ويرى أن هذين النمطين من الغنائية يعودان في أصولهما إلى دانتي الذي كتب عددا من غنائيات الحب تتحدث عن علاقة غرام له مع فتاة رغم موتها المبكر. وبعد تتبع تاريخي لأصول الغنائية التي انتقلت إلى إيطاليا وصقليا من الجنوب الفرنسي يؤكد أن الدراسة الدقيقة المنصفة للغنائية الإيطالية يجب أن تعيدها إلى أصولها الأولى ممثلة بالموشح الأندلسي وقرينه الزجل بعامية قرطبة في القرن الثاني عشر.
يسهب المترجم في الحديث عن شعراء الغنائيات الإيطاليين وما شهدته بنية قوافيها من تطور على يد هؤلاء الشعراء، لاسيما عند دانتي ومن بعده وليم شكسبير بعد انتقال هذا الشكل إلى انكلترا.
تاريخ الغنائيات
يحدد لؤلؤة تاريخ ظهور أول طبعة من غنائيات شكسبير بالعام 1609 دون أن يجد ما يوضح الكيفية التي وصلت بها تلك المجموعة من الغنائيات إلى يد الناشر. لكن هذه المجموعة منفردة أو مع مسرحيات وأعمال أخرى طبعت أكثر من 54 طبعة تالية للطبعة الأولى( الكوارتو) حتى منتصف القرن العشرين، إلى جانب العديد من الطبعات غير المرخصة، ما يدل على الحضور المؤثر لهذا الشكل من الشعر على ذائقة القارئ طوال أكثر من ثلاثة قرون من الزمن. تتوزع الغنائيات في هذا الكتاب على ثلاثة أبواب تتحدد موضوعاتها كما يشرح المترجم في الباب الأول الذي يمتد من الغنائية الأولى وحتى الغنائية السابعة عشر في دعوة الشاعر صديقه الحبيب إلى الزواج من أجل إنجاب طفل، يديم جمال الوالد ومحاسنه الخلقية، في حين أن
الباب الثاني، الذي يشمل الغنائيات 18- 126 فيتضمن مجموعة من الغنائيات الخاصة بالحب وجمال المحبوب. أما الباب الثالث الذي يشمل الغنائيات 127 وحتى 152 فتتحدث عن الخليلة السمراء، بينما تستوحي الغنائيتان 153 و154 قصيدتين من الشعر الإغريقي، تقيمان التماهي بين موضوع الحب والشبق الجنسي.
دلالة الخطاب
في هذا الفصل يتناول المترجم الأبحاث التي تناولت بالدرس تلك الغنائيات وما أجمعت عليه من حيث موضوعاتها، التي يحددها في أربعة قضايا، هي، هوية الصديق المحبوب وهوية السيدة السمراء ثم هوية الشاعر المغروم، وأخيرا هوية السيد الذي أهديت إليه هذه الغنائيات. ومن خلال السياق العام لها يتوصل إلى خلاصة يستنج فيها أن الغنائيات من 1 إلى 17 كانت موجهة إلى شاب ارستقراطي عازف عن الزواج، بينما اختلفت أراء الباحثين حول هوية السيدة السمراء، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السيد الذي أهديت له هذه الغنائيات. الجدل الأهم الذي عرفته تلك الأبحاث يتعلق بحقيقة غزل الشاعر بالشاب الارستقراطي ودلالته من حيث علاقته بالشذود الجنسي . بالمقابل ينقل محاولة أحد الناشرين في طبعة غير مرخصة حاول فيها من خلال القيام بتغيير في بعض الأسماء والضمائر وبتسلسل تلك الغنائيات الإيحاء بأن هذه الغنائيات كانت موجهة إلى امرأة وليس إلى شاب. المترجم لا يستبعد مصداقية هذه المحاولة انطلاقا من كون الأوصاف التي تتضمنها تدل على امرأة وليس على شاب، لاسيما عند ترجمتها إلى العربية من دون تحريك الكلمات والصفات. في هذا السياق يقدم المترجم عرضا للعديد من آراء الباحثين حول حقيقة الشخصية التي يتوجه إليها خطاب الغزل في الغنائيات الأولى.









