ثقافية

ديوان ثالث للهيب عبد الخالق … ترانيم سومرية.. عندما يصبح المجرَّد مرئياً

الحقيقة – متابعة

 

صدر مؤخراً عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان، الديوان الثالث للزميلة الشاعرة لهيب عبد الخالق، حاملاً العنوان: «ترانيم سومرية» الذي جاء في مائة وعشرين صفحة من القطع المتوسط.

وبعيداً عن بنية «الكتاب» التي انقسمت إلى ثلاثة أجزاء: جروح الوطن، وترانيم سومرية، وطيور الرغبة، وأكثر قرباً إلى القصيدة ذاتها، فإن واحداً من الملامح الأساسية لصوت لهيب عبد الخالق الشعري هو أن يكون الشعر الصافي الشاغل الأبرز في صنيعها، أي أن الشاعرة لا تعلو لديها نبرة الخطاب الأنثوي أو الجنسوي ولا تقسم العالم من حولها إلى مذكر ومؤنث، بل تسعى إلى أن يكون الشعر ذاهباً باتجاه القضايا الكبرى أو العامة، وفقاً لأحاسيس إنسانية عميقة، إنما بنكهة أنثوية، إذا جاز توصيف المشاعر الإنسانية على هذا النحو:

 

«الموتِ حولي،

غير أنّي لا أراهِ،

يضبِّبِ الآتي بلا صوتٍ

بلا شكلٍ،

بلا وجهٍ،

وأخرج من براثنه

قتيلا ..

أم مقاتل.

أغتال ذاكرتي

لكي أمضي

على درب القوافل».

إنها رؤية للشعر والعالم تقوم على أساسين. يتمثل الأول منهما بالوزن، حتى لكأن الشاعرة لا ترى الشعر شعراً وقد خلا من الوزن. وذلك بحسب ما يقرأ المرء، وذلك أنه لا شعر من دون وزن في رؤية لهيب عبد الخالق الإبداعية من شدة ما أن لديها انسيابية إيقاعية لافتة للاهتمام.

أما الأساس الأخير، فيتمثل في سعي الشاعرة إلى جعل المجرد حسياً وقابلاً للتخييل، أي أن يصبح بوسع القارئ أن يرى أو يدرك بإحدى الحواس ما هو عصّي على مخيلة الفرد في العادة.

وكثيرة هي الشواهد على ذلك المسعى في قصائد لهيب عبد الخالق التي تتوزع على مساحة زمنية تبلغ عشرين عاماً وأكثر. إن ما يدركه المرء بحاسة من حواسه أو أكثر، هو قلب القصيدة وينبني على الصور الشعرية لهذا القلب القولُ الشعري ذاته بوصفه جملة بنى تركيبية ونحوية ووزنية أيضاً.

وقد يسأل المتلقي نفسه عندما يفرغ من قراءة «ترانيم سومرية»: أليست لهيب عبد الخالق متأثرة بقراءاتها للشعر العربي الحديث ومطلة على مدارسه وإشكالياته؟ بالتأكيد نعم، إذ إنه فضلاً عن رؤيتها، أنه لا شعر خارج الوزن بالنسبة لصنيعها الشعري، فإن المرء يدرك أنها قارئة أصيلة لهذا الشعر، خاصة للمدرسة الشعرية العراقية إذا جاز التوصيف، إنما عرفت كيف تذوِّب هذه المؤثرات في قصيدة تخصها، أي أنها تحيا زمنها الشعري.

ولأن الوزن «ضرورة شعرية» عند لهيب عبد الخالق، يشعر القارئ أنه يصغي إلى شعرها من شدة ما أنه عميق الارتباط بالوزن دون أن يعني ذلك أنها تميل إلى الإنشاد، إنما الذات الساردة في القصيدة هي التي وضعت الشاعرة والمتلقي في أفق واحد.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان